مجزرة "الصفير" (1)

 

التاريخ: 21-12-1994

 اربعة قتلى وثلاثة عشر جريحاً كانوا ضحايا انفجار سيارة ملغومة في محلة صفير في الضاحية الجنوبية. ويذكر الانفجار من حيث توقيته بانفجار سيارة مفخخة امام مقر حزب الكتائب في 20 كانون الاول من العام الماضي، اعقبه انفجار الكنيسة في الزوق في 27 شباط الماضي.

الانفجار وقع في شارع يربط مسجد الامام الرضا في بئر العبد بحي صفير، وهو حي تجاري سكني مكتظ وخصوصاً في الوقت الذي انفجرت فيه السيارة. وافادت المصادر الامنية ان السيارة المنفجرة هي من نوع "فان فولسفاكن"، وقد احدثت حفرة قطرها نحو مترين وعمقها نحو متر ونصف متر.

وقدر الخبير العسكري وزن العبوة بنحو 50 كيلوغراماً من مادة الـ"تي.ان.تي".

 

كيف وقع الحادث؟

في الرابعة و37 دقيقة دوى انفجار كبير ترددت اصداؤه بقوة على بعد مئات الامتار تاركاً بصماته على النوافذ والابواب المغلقة. وسرعان ما ارتفعت سحب الدخان من مكان الانفجار المحاذي لحائط معمل السيراميك الذي يملكه "ابو حسن" فياض. ويروي يحيى شعيتو، وهو في العقد الثالث من عمره، انه شاهد من شرفة منزله في المبنى الذي يقع على بعد خمسين متراً من المكان سحب الدخان تنطلق الى الفضاء. كما شاهد قطعة قماش بيضاء تطير. ولكن خلال ثوان كان ضغط الانفجار يدفعه الى الداخل مع ولده الذي كان ممسكاً به في تلك اللحظات.

اما صاحب الصيدلية التي تقع في الجانب الاخر من الطريق المواجهة تقريباً للانفجار ويدعى عمران شعيتو، فيقول عن تلك اللحظات: "خيل الي ان قصفاً من الطيران بدأ يستهدف المنطقة. وسرعان ما غرف السكان في ظلام الدخان".

اكثر الاضرار فداحة تلك التي كانت امام متجر مصطفى الجويدي لبيع زيوت السيارات وتصليح الاطارات. المتجر الذي يقع قبالة مكان الحادث مباشرة، وقد قبعت امامه سيارتان هشمهما الانفجار. وذكر اقرباء الجويدي انه لم يصب بأذى. واوضحوا ان احدى السيارتين كانت متوقفة لاجراء صيانة لاطاراتها.

معمل السيراميك بدا قسم منه مهدماً وقد تداعى جزء من سقفه. فيما ظهرت الحفرة التي احدثها الانفجار، وهي بقطر متر تقريباً، وقد تراكمت فيها احجار وبقايا اشياء معدنية. وفي مبنى هو قيد التشييد على الجانب الاخر الملاصق لمتجر الجويدي شوهدت في الطبقة الثالثة منه آثار دماء على احد الجدران بينما تداعت واجهة تلك الطبقة. وتردد ان احدى الضحايا وهو عابر سبيل قذفه الانفجار الى هذا المستوى وقتل على الفور. وتردد انه جرى اجلاء قتيل وجريح من داخل معمل السيراميك.

في ما يتعلق بـ"تعاونية الانماء" القريبة من المكان فان الاضرار فيها وفي بقية المبنى الكائنة فيه اقتصرت على الماديات ولا سيما في الزجاج، فيما شوهدت واجهات خشبية لبعض المنازل وقد تصدعت.

 

الشهداء والجرحى

ادى الانفجار في محل صفير الى مقتل فؤاد صالح مغنية والمصري محمد حسون وعلي مسلماني وجريح قضى متأثراً بجروحه، وكذلك ادى الانفجار الى اصابة علي شقير (36 عاماً) وزوجته سيلفانا (25 عاماً) وطفلهما هادي (عام ونصف العام) ومايا عواضة وصغير الحمد (سوري) وملاك ابو طعام وبلال الزين وهادي قانصو وجريح مجهول الهوية، والسوريون: محمد سعد صبرا وفواز علي حسين وعبدو محمد الزير وعباس علي حسين وعبدالمعين فخرالدين ميرزا.

 

بيان حزب الله حول الحادثة

وحول المجزرة اصدر حزب الله بياناً جاء فيه:

ليس من شك في هوية اليد المجرمة التي ارتكبت التفجير الآثم ضد مكان تسوق للمدنيين في منطقة صفير من بيروت.

ان استهداف المجتمع اللبناني في وجوده وسلمه الاهلي واستقراره، شكل، على الدوام، عملاً عدوانياً صهيونياً تجلى في اكثر من مجزرة طاولت الآمنين من اهلنا الصابرين.

وما زال تاريخ العدوان الصهيوني على شعبنا الآمن زاخراً بالامثلة على الارتكابات الفظيعة في حق الانسانية.

واليوم، وبعد تهديدات متكررة وردت على السنة قادته، اقدم العدو الصهيوني واجهزته التخريبية على اقتراف جريمة نكراء في حق عدد من الاهالي لحظة عودتهم الى منازلهم وابان شرائهم لحاجاتهم اليومية من تعاونية استهلاكية.

ان الجريمة البشعة التي ترتكب اليوم لهي دليل اضافي على وحشية العدو ضد امتنا، وعلى جبنه بفراره من ساح المواجهة مع المقاومين الى الغدر بالمدنيين العزل. ومرة اخرى تكشف الدماء الزكية التي سالت من الضحايا والشهداء عن زيف ادعاءات السلام مع عدو لا يعرف الا الخيانة والغدر والاعداء".

 

اكتشاف القتلة عملاء "اسرائيل"

 (السفير 29-12-1994)

بعد حصول مجزرة صفير نشطت التحقيقات التي استهدفت تحصين الوضع الامني في لبنان واكتشاف منفذي الجريمة البشعة التي اصابت الابرياء في ارواحهم واجسادهم وارزاقهم.

وبالفعل فقد توصلت القوى الامنية وبشكل سريع وبتعاون فعال مع الاهالي الى اكتشف حقيقة الشبكة الاسرائيلية المؤلفة من كل من احمد عبدالديع الحلاق - سهيل الحمصي - حنان ياسين ووفيق ناصر وتوفيق ناصر بعد فرار المتهم احمد عبدالبديع الحلاق.

وجاء في المعلومات الصادر عن قيادة الجيش انه خلال شهر تموز 1993، وبتكليف من ضابط الاستخبارات الاسرائيلية الجنرال داني الذي يمارس نشاطه في قبرص، قام الموقوف سهيل الحمصي احد عملاء الجنرال المذكور، بتجنيد المتهم الفار احمد عبدالبديع الحلاق لمصلحة الاستخبارات الاسرائيلية، بحجة انه يملك معلومات عن مصير جثث الجنود الاسرائيليين المفقودين منذ العام 1982.

بدأ احمد الحلاق عمله هذا بالاشتراك والتواطؤ مع كل من زوجته حنان ياسين الموجودة قيد التوقيف والمدعوين: الموقوف وفيق ناصر، فلسطيني الجنسية، واللبناني توفيق ناصر من بلدة حداثا - بنت جبيل وعقدوا عدة اجتماعات عمل مع الضباط الاسرائيليين المعروفين بأسماء: داني - مايك وطومي في مرجعيون وداخل "اسرائيل" وفي قبرص.

بعد فترة تطورت العلاقة بينهم، وطلب الضابط داني من احمد الحلاق ورفاقه مراقبة احد مسؤولي "حزب الله" المغدور فؤاد مغنية، وبعد تنفيذ المراقبة طلب منهم داني اختطافه ونقله الى الشريط الحدودي، ثم جرى تعديل فكرة الخطف من قبل الضابط المذكور الذي طلب منهم تصميم خريطة واضحة لمكان عمل مغنية في محلة الصفير في الضاحية الجنوبية حيث حصل الانفجار، وقام الموقوف وفيق ناصر برسم خريطة وارسلها له مع الموقوفة حنان ياسين الى قبرص حيث سلمتها للضابط الاسرائيلي داني خلال شهر تشرين الثاني الماضي.

بتاريخ 7/12/1994، استدعي احمد الحلاق الى "اسرائيل" وقابل كلاً من الضباط الاسرائيليين داني ومايك وطومي على مدى 12 يوماً، تم خلالها تدريبه على استخدام جهاز تفجير الكتروني وتزويده بحقيبة جلدية سوداء مجهزة بمخبأ سري فيه جهاز التفجير، وعاد الى لبنان يوم الثلاثاء في 10/12/1994، قبل عملية التفجير بيوم واحد ولديه اوامر من الاسرائيليين باغتيال فؤاد مغنية بواسطة عبوة موضوعة لهذه الغاية على ان ينفذ الجريمة مع الموقوف وفيق ناصر عند اول فرصة.

اثر ذلك، وبالتاريخ نفسه أي يوم الثلاثاء في 20/12/1994 قام احمد الحلاق برفقة زوجته حنان والمدعو وفيق ناصر بالذهاب الى الضاحية بسيارته نوع "شفروليه" بنية اللون رقم لوحتها 822632 وقصدوا مكان العملية وشاهدوا فؤاد مغنية يجلس مع رفيق في سيارة امام المحل. عندها طلب وفيق من احمد ان ينفذ الانفجار ويضغط على زر الجهاز، لكن احمد قال له ان الاوامر تقضي بتنفيذ الاغتيال عندما يكون مغنية وراء مكتبه داخل المحل لضمان موته عند حدوث الانفجار، ثم غادروا المحلة واتفقوا على التنفيذ في اليوم التالي، أي الاربعاء في 21/12/1998.

بعد ذلك تم تمثيل الجريمة حيث نقلت عناصر من المكافحة في الجيش المتهمين حنان ياسين ووفيق ناصر من مكان توقيفها في وزارة الدفاع، الى منطقة صفير، حيث تمت عملية التفجير، وقاما بتمثيل كيفية تنفيذ الجريمة مع باقي المتهمين، وتحدثا بالتفصيل عن مهمة كل منهما.

 

افادة وفيق ناصر

وقال وفيق ناصر: كلفني احمد الحلاق منذ نحو شهرين ونصف او ثلاثة اشهر بمراقبة الحاج فؤاد مغنية في منطقة صفير، وامكنة تواجده. فكنت احضر الى المحلة، ومعي شخص اخر يدعى توفيق امين ناصر، عبر كنيسة مار مخايل في سيارة "مرسيدس 280" لونها ابيض. ونراقب محل مغنية، وكنا نسلم عليه، باعتبار انه كان صديقنا قديماً، ونشرب معه فنجان قهوة، ثم نخرج، وقد التقينا به عدة مرات، في حضور احمد الحلاق، الى حين يوم الثلاثاء، عندما توجهت الى برجا، بناء على طلب من زوجته التي حضرت الى عندي يوم الاحد، وابلغتني ان احمد الحلاق يريدني ان اذهب اليه وسألت احمد يوم الثلاثاء الساعة العاشرة، فأخبرتني باننا نستطيع ان نحضره من المركز الطبي في بعقلين. فانتقلت معها عند الساعة الثانية عشرة والنصف الى المركز الطبي، حيث حضر احمد الحلاق حوالى الثانية والدقيقة العاشرة او الثانية والثلث. من "اسرائيل" ومعه حقيبة سوداء غريبة الشكل. نزلنا الى المطعم وتناولنا الطعام، ثم توجهنا الى برجا، ومنها عدنا انا واياه ومعه زوجته وولداه الاثنين من منطقة الحدث الى صفير، ودخلنا المنطقة، وابلغنا احمد في الطريق، انه يستطيع ان يفجر فؤاد بثوان، وان معه جهازاً يستطيع ان يفعل ذلك بثوان. فقلت له الى هذه الدرجة، اين وضعت العبوات وكيف؟ فقال لي: كل شيء جاهز، انما الذي اريده منك هو امر واحد، وهو انه حين تنفيذ المهمة اريدك ان تتأكد من ان فؤاد يجلس خلف مكتبه، وضروري هذا الامر، وبالصدفة، عندما كنا نمر في المكان وجدنا الحاج فؤاد واقفاً بعيداً عن المحل ومعه سيارة "بي.ام" كحلية يستمع الى الراديو, فقلت لاحمد: "طالما تستطيع ان تقتل الحاج فؤاد. فنفذ الامر الان، ها هو امامك". فاستهزأ مني وقال لي: "لا.. استطيع ان انفذ العملية متى اريد".

"ثم تابعنا سيرنا انا واحمد وزوجته، وسألني عن نوع السيارة التي يقودها فؤاد. فقلت له: معه سيارة "بي ام" من نوع جديد، لكن زوجته قالت لي: "لا.. ليست "بي ام"، انما من نوع "هيونداي". وعاد احمد الى المكان ليتأكد من نوع السيارة، فوجدنا فؤاد ما يزال يستمع الى الراديو.

ثم تابعنا طريقنا الى مكان يوجد فيه هاتف. واجرينا منه اتصالاً اجهل مع أي بلد، ثم اوصلاني الى صبرا حوالى السابعة والنصف".

واستدرك ناصر قائلاً: ان احمد طلب مني في الطريق ان اكون في اليوم التالي، الساعة التاسعة والنصف، عند بيت شقيقه شفيق لتنفيذ المهمة سوياً. لكني هربت في اليوم الثاني في الموعد المحدد، الى حين سمعت نبأ الانفجار في التلفزيون".

 

افادة حنان ياسين

وافادت حنان ياسين بالاتي: منذ حوالى سنة ونصف تنظم (احمد) مع الاسرائيليين بواسطة شخص اسمه سهيل الحمصي واصبح يتردد على "اسرائيل"، وقام بتنظيم عدد من الاشخاص، وانا من ضمنهم، وقد ذهبت مرتين الى قبرص واجتمعت مع الضابط الاسرائيلي "داني" هناك. وقاموا بمراقبة فؤاد مغنية، احياناً كانوا ينوون خطفه، واحياناً كانوا يريدون تنظيمه، واخيراً قرروا قتله.

كان احمد في "اسرائيل" قبل اربعة عشر يوماً من الانفجار، وجاء الثلاثاء وقد احضرناه من بعقلين من قرب المركز الطبي، وكان قد احضر معه حقيبة سوداء فيها جهاز. واتينا الى هنا انا وهو ووفيق. وقفنا بعيداً عن هنا (مكان الانفجار). وكان فؤاد مغنية حينذاك يجلس في سيارة "بي ام" سوداء, فقال له ابو علي: يللا نفذ". فقال له: لا، لا انفذ الا اذا كان فؤاد موجوداً وراء المكتب. ثم ذهبنا، الى محل هاتف واجرينا اتصالاً بسويسرا، واعطاهم خبراً انه قد حضر. واتق هو ووفيق ان يلتقيا في محلة الطريق الجديد في اليوم التالي الساعة التاسعة. لكن وفيق قد هرب ولم يحضر. صار يفتش عنه، ثم ذهب وتناول الغداء وشرب (الكحول). وجاء الساعة الرابعة الى هنا (محلة صفير). وقال لي اريد ان ارى "فؤاد" مرقة طريق. ووقفنا هناك. ونزل سلم على فؤاد. ثم احضر الجهاز. فسألته لماذا الجهاز، فقال: "بس بدي شوفو". وعلى كلمة "بس بدي شوفو" كان قد كبس الزر وطلع الانفجار. ثم اكمل الى الاوزاعي ووضع الجهاز في كيس نايلون اسود ورماه على شاطىء جدرا قرب السعديات.

 

المحاكمة والاعدام

بعد تنفيذ المجزرة في محلة "الصفير" فر المدعو احمد الحلاق الى بلدة جزين المحتلة في الجنوب اللبناني واستقر فترة، كانت تجري في اثنائها محاكمته غيابياً. حيث نال حكماً بالاعدام.

بعد ذلك عملت القوى الامنية اللبنانية على القبض عليه في جزين وسوقه الى بيروت حيث نفذ فيه حكم الاعدام بعد ان اعلن ان المال هو السبب الرئيسي في تعامله مع العدو الاسرائيلي.

وكان ان نال العميل احمد عبدالبديع الحلاق جزاء خيانته لامته ووطنه.

 

الهوامش:

1- حي "الصفير": حي من احياء بلدة حارة حريك في ضاحية بيروت الجنوبية.

 

 

<<<<    >>>>