مجزرة صفد البطيخ

 

التاريخ: 13-10-1996

  في صفد البطيخ  (قضاء صور) وعلى مقربة من قانا الجليل (حيث حصلت المجزرة الاسرائيلية الشهيرة) كانت رائحة الدم في ذلك اليوم الخريفي ممزوجة بعبق التراب الشتوي الاولى، بقايا اشلاء منثورة على جدران المنزل القروي، ركام اسود فوق ارض جنوبية من لبنان يشهد ان الموت "الاسرائيلي" ما زال مقيماً في لبنان رافضاً ان تكمل البراعم الحية دورة نموها؛ وقد قدم الموت "الاسرائيلي" دليله الحي على ذلك مرة اخرى في بلدة صفد البطيخ بعد اربعة عشر عاماً من حكم العميل "الاسرائيلي" حسين عبدالنبي على سعيد زين الدين والد الضحايا بالقتل تاركاً اياهم لليتم يكفلهم جدهم ذو السبعين عاماً والذي اصيب في المجزرة.

والضحايا التسعة هم: ميسرة (16 عاماً) - وسيم 18 عاماً، جهاد (27 عاماً بترت ساقه) وزوجته (20 عاماً)، حسين (28 عاماً بترت يده) ومحمد (70 عاماً) وموسى (70 عاماً).

يوم 13-10-1996 انهمر القصف المدفعي "الاسرائيلي" من موقع محيبيب، ولم يستطع هؤلاء الفتية ان يختبئوا من القصف "فحمم النار اسرع من خطى الاولاد" كما تقول سعاد زين الدين "لقد باغتتهم القذائف وهم على بعد خطوات من باب الملجأ العتيق الذي بناه الجد بعد عدوان تموز 1993".

وتضيف سعاد ان "القذائف حاصرتهم مثل المطر وبدلاً من ان ينقذوا جدهم الجريح وقعوا يفرفرون بدمهم ويستغيثون".

الجدة حسناء فتوني (70 عاماً) التي نجت بأعجوبة من الموت بعد ان ظللها جسد الزوج الكهل المخضب بدمائه، كانت بعد الحادثة ترقد على حجر من مخلفات المنزل، تحدق في اللحظات الضائعة تتجنب الرد على اسئلة الصحافيين واستفسارات القوى الامنية، تومىء بحركات خفيفة تؤديها يداها المرتجفتان بعياء وملل ثم ترد بعد الالحاح بصوت مستنكر "هيدي اسرائيل حرقت لي قلبي من 14 سنة على وحيدي سعيد وهلق* على اولاده الايتام. الله يحرق قلب امهاتهم عليهم".

الجد موسى زين الدين (70 عاماً) حمل هم العائلة وتربيتها بعد رحيل ولده. كان يتلوى الماً بين ايادي الاطباء وهو لا ينفك يسأل عن ميرا الحفيدة المدللة، "وينو* جهاد وينكم* يا حبايب قلبي"، يرتعش باكياً ويتمتم "قضيت عمري اعمل بالفلاحة حتى ربيتهم لصاروا شباب ليرجعوا الاسرائيلييين ويذبحوهم، والله يا بنتي بحياتهم ما تعاطو بالسياسة من المدرسة للبيت وللعمل في الارض والزراعة".

الجريحة رأفت اصيبت بانهيار عصبي حاد وجرح في ساقها اليمنى، تحيط بذراعيها ثياب العائلة الملطخة بالدماء وتجهش "كل شيء انتهى ما عاد عنا كلام ولا اعصاب ولا دمع، غلبنا القهر والموت".

من تبقى من العائلة ترى الانتكاسة في جفونه وعلى تقاسيم الوجوه الغائرة. وبين الفينة والفينة "يشتعل قلب" الخالة شقيقة الأم كاملة فتوني وتصرخ "ضحينا وربيناهم بدموع العين حتى يطعموا لهم اجريهم* وايديهم للكلاب؟". تهدأ ثم تستعيد الواقع - الكابوس وهي تترنح امام المنازل الثلاثة المهشمة. تصمت وتبكي ثم تبعثر حجارة الدار لتستعيد من براثن الركام المكوم كتباً مدرسية لميرا وتعويذة كانت مسمرة على الجدار".

 

شهادات

وبعد زوال الخطر روى (2) الشهداء الاحياء من آل زين الدين تفاصيل الجريمة المروعة التي نفذتها قوات الاحتلال "الاسرائيلي" بحقهم ليل 14-10-1996 فقال جهاد زين الدين (23 سنة): في تلك الليلة كنا انا واشقائي نتناول طعام العشاء، سمعنا دوي القصف الذي اخذ يتساقط على منازل المدنيين. وفجأة اصيب منزلنا بقذيفة مباشرة فأصبت انا في ساقي ولم افقد الوعي، سمعت الصراخ والبكاء من حولي زحفت اكثر من 50 متراً وبقيت انزف لمدة نصف ساعة بعدها جاءت سيارة اسعاف ونقلتني الى مستشفى حمود حيث بترت ساقي اليمنى.

حسين زين الدين (27 سنة)، بترت يده اليمنى) قال: "بعد سقوط القذائف هرعت مع آخرين من اهل البلدة لسحب الجرحى فأصبت لحظة انقاذي اهلي، مما ادى الى بتر في يدي، والقصف علينا كان مصدره موقع محيبيب وتركز على البيوت، وكل القذائف اصابت البيوت ولم تسقط اية قذيفة في الحقول".

اشرف زين الدين (20 سنة) كان يرقد في غرفة العناية الفائقة وهو في حالة غيبوبة، وقد تحدث طبيب العناية الفائقة الدكتور محمد ياسين عن اصابته فقال: وصل اشرف الى المستشفى وكان ضغط دمه صفراً. وكان يصارع سكرات الموت بعد ان نزف دمه بالكامل واصيب بـ"صدمة وعائية" والشظايا مزقت الصدر وهتكت الرئة والانسجة والقفص الصدري، وتم استئصال الشظايا وحالته ستبقى خطرة لايام عدة وسيبقى في غرفة العناية.

شقيقته ميرا زين الدين (14 سنة) كانت ترقد في السرير المجاور لشقيقها اشرف في غرفة العناية الفائقة وهي في حالة غيبوبة. تحدث عن وضعها الصحي الدكتور ياسين، فقال: ان الشظايا مزقت الساق اليسرى وقطعت عظم الفخذ وبقيت الساق معلقة بالجلد فقط.

اضاف: كانت المسكينة ميرا تصرخ وتقول لنا: ارجوكم لا تقطعوا ساقي… لا تقطعوها، حاولنا جاهدين التجاوب مع رغبتها واجرى لها طبيب العظم الدكتور عبدالحميد حشيشو ثلاث عمليات جراحية كان آخرها صباح السبت، لكن لسوء حظها كان التلف بالعظم والانسجة كبير جداً ولم يكن امامه الا البتر.

اما الدكتور حشيشو فقال: ان وضع الاصابات في الجسم كان خطيراً والاصابات مخيفة، فمن بين 4 جرحى 3 تعرضوا للبتر في الاعضاء، أي ان الاصابات خطرة بنسبة 75 في المئة وتساءل هل هذا نوع جديد من القذائف والمصابون من عائلة واحدة ومن بيت واحد ومن مجزرة واحدة.

 

 

<<<<    >>>>