آل بدير ضحية القصف "الإسرائيلي"

 

التاريخ: 9/7/1995

 

لم يتوقع علي بدير ان يكون شاهداً لموت اولاده. ولم يحسب يوماً انه سيهرع مع زوجته المفجوعة لانتشالهم اشلاء والغرق في متاهة مستشفيات الجنوب في محاولة لانقاذهم. عيناه اللتان اغرورقتا بالدمع حزناً، كان يأمل اغماضهما يوماً على مشهد طالما حلم به: خمسة اولاد ترعرعوا وشبّوا وحققوا امال ابيهم واثلجوا صدر امهم.

حلم بدير تحول اليوم كابوساً. ارجاء بيته التي كانت تستفيق على صخب الاولاد وضوضائهم، تقوقعت على نفسها في صمت، تغالب حزنها ولا تفلح. تلك الليلة المشؤومة شاءها القدر خنجراً مؤلماً اغمد في صدر الاب والام. انه السواد المقيت يخيم على حجارة البيت وقلوب قاطنيه. تلك الليلة بدأت بعشاء جمع افراد الاسرة حول طاولة واحدة، لكنها انتهت بانفراط العقد الى الابد.

غابت جيهان (17 عاماً) وسيلفانا (12 عاماً) صغير العائلة زكريا (4 اعوام) ما زال في غيبوبة معلقاً بين الحياة والموت، اما رباب (14 عاماً) وعباس (10 اعوام) فنجوا باعجوبة وهما اليوم في المستشفى ووضعهما في تحسن.

 

حجاب الحزن

حجاب الحزن الذي يلف منزل آل بدير في النبطية الفوقا كان يرخي ظلاله على الامكنة المحيطة عندما وصلت "النهار" لتسمع من الاب والام تفاصيل عن المأساة التي قلبت الامل الماً. الكلام القليل المغسول بالدموع اصدق شاهد على عذابات الاسرة التي لم تصدق بعد ما حل بها.

يروي الاب بغصة محرقة: "مساء السبت كنا نتناول العشاء في باحة المنزل، انتهيت من طعامي قبل الباقين واصطحبت ابني الكبير محمد فمشينا على طريق دير مار انطونيوس التي لا يسلكها الا اصحاب المنازل الواقعة تحت موقع العدو في الدبشة * الذي يبعد 100 متر. فجأة، سمعنا دوي اربع قذائف سقطت قرب المنزل، اسرعت عائداً فوجدت اولادي الخمسة مطروحين ارضاً من دون حراك. نقلتهم الواحد تلو الاخر في السيارة وهرعت بهم الى مستشفى غندور في البلدة ولم اعرف بعدها كيف توزعوا على مستشفيات النبطية وصيدا".

يجهش بدير بالبكاء متابعاً: "جيهان هي الثانية بعد محمد. تركت المدرسة العام الماضي لتساعد والدتها المريضة في تربية اخوتها والاهتمام بالمنزل. لقد تنبهت الى تحرك الدبابة الاسرائيلية قبل ان تطلق قذائف المسمارية، ولكنها لم تحسب انها تستهدفها واخوتها".

الاشغال اليدوية كانت هواية جيهان في اوقات فراغها، وحرصت دائماً على مساعدة الجميع عبر تطوعها في كشافة الرسالة الاسلامية، والدفاع المدني.

 

"كان حياتي…"

شقيقتها سليفانا تطوعت ايضاً في الكشافة تحقيقاً لحلم راودها منذ الطفولة. زكريا، الشقيق الاصغر، اصيب في دماغه وبطنه. وكان انهى سنته الدراسية الاولى في "مدرسة بلال فحص" بتفوق يقول عنه بدير: "كان حياتي وحياة البيت". اما رباب فأنقذت في اللحظة الاخيرة بعدما نزفت في شكل كثيف وهذه ايضاً حال شقيقها عباس الذي يشهد وضعه تحسناً تدريجياً.

البكاء والصراخ لسان حال الوالدة المفجوعة. كلمات قليلة متقطعة تتلفظ بها وتتناهى الى المسامع: "ما ذنب الاطفال؟… كنت اجلس واياهم هنا" تذكر اسماءهم من جديد وتتوجه الى حيث دراجة زكريا لتحضنها وتبكيه: "يا مشحرة عهالمصيبة!" عبارة تكر على لسانها في كل لحظة ولا تنفع محاولات النساء قريباتها لتهدئة خاطرها.

 

القذائف المسمارية

وقد استعمل في تنفيذ المجزرة القذائف المسمارية المحشوة بآلاف المسامير ذات الطول 3,75 سنتم المحرمة بموجب المعاهدة الدولية لممارسة الحرب.

وقد اصيب اضافة الى عائلة بدير الرقيب اول في الجيش اللبناني يحيى الصباغ 32 عاماً. وعلي حكمت عباس 13 سنة، كذلك اصيب جراء القصف منازل المواطنين علي صباغ، حكمت عباس وسليمان جرجي حنا.

<<<<    >>>>