|
بقلم : د.وليد الخالدي الطور
الأول (بدايات - 1917): من البدايات الى
اكتمال عناصر نجاح الحركة. الطور
الثاني (1917-1948): من اكتمال عناصر النجاح
الى قيام الدولة اليهودية بالحرب. الطور
الثالث (1948-1967): هضم مكاسب الحرب وتثبيت
الذات. الطور
الرابع (1967-1997): من التوسع العسكري الى
الهيمنة على المشرق العربي. (…)
في كازينو بلدية بازل في سويسرا في 29 آب (أغسطس)
عام 1897 افتتح المؤتمر الصهيوني الأول
بدعوة من الصحافي اليهودي الهنغاري
ثيودور هرتزل ووضع الحجر الأساس للمنظمة
الصهيونية التي انبثقت عنها "اسرائيل"
بعد نصف قرن وهي المنظمة التي ما زالت تمد
الدولة اليهودية منذ لحظة ولادتها الى
يومنا هذا بكل أصناف المؤازرة والدعم. بافتتاح
المؤتمر الصهيوني الأول وبتأسيس المنظمة
الصهيونية زرعت بذور ما سمي بالقضية
الفلسطينية والادق ان يسمى بالصراع
الصهيوني - العربي الذي انطوى على ما
انطوى عليه من سعي دؤوب عنيد من قبل
الصهيونية لقلب موازين القوى الراهنة في
فلسطين وجوارها رأساً على عقب ولإحداث
ثورة جذرية في الأوضاع القائمة فيها على
المستويات كلها وعلى حساب شعوبها اذ غدت
"اسرائيل" اليوم بعد مئة عام وعبر
سلسلة من التطورات المحلية والإقليمية
والدولية وما رافقها من ويلات وحروب،
الدولة العظمى في موضع القلب من الوطن
العربي بين محيطه وخليجه وباتت الأمة
العربية أمام خطر ادعى واعظم من كل ما سبق
ان هددها منذ اندحار الصليبيين والمغول
ووضعت علامة استفهام كبرى على مجمل مصير
المشرق العربي ومستقبله. واستند
الفكر الصهيوني في كل هذا (وحتى العلماني
منه) الى مقدمة ( Premise)
أساسية
"أخلاقية عجيبة مفادها أن الصلة
التاريخية القديمة بفلسطين وان انقطعت
منذ آلاف السنين تمنح اليهود المعاصرين
اليوم حيثما كانوا أحقية في الحقوق
السياسية المصيرية تعلو على حقوق سكان
فلسطين وجوارها من غير اليهود منذ آلاف
السنين وتبرر اقتلاعهم والحلول محلهم
باسم "إحقاق الحق" عن طريق "عودة"
اليهود من "شتاتهم" الى البلاد "الأصل.
واستمد
الفكر الصهيوني الدعم المعنوي لهذه
المقولة من نظرة الاستعلاء على سائر
الشعوب المتأصلة في رأي البعض في النفس
اليهودية انطلاقاً من القناعة المتوارثة
لهم بان الشعب اليهودي إنما هو شعب الله
المختار كما استمده من استساغة الغرب
لهذه المقولة لأكثر من اعتبار ديني
ودنيوي. وهكذا رفض الفكر الصهيوني منذ
المؤتمر الصهيوني الأول رفضاً قاطعاً اي
ربط بين الفعل الصهيوني البادىء وردة
الفعل العربية التالية له واعتبر منذ ان
رأى النور ان حصانته المعنوية تجاه من
ستقع وطأته عليهم أمر مسلم به سلفاً بل حق
أزلي لليهود لا جدال فيه ولا نقاش. واذا
كانت مجريات التاريخ احياناً اعجب من
الخيال فمن اعجب مجريات التاريخ تطور
الحركة الصهيونية منذ بداياتها أواخر
القرن التاسع عشر وبخاصة منذ مؤتمر بازل
الأول الى ما وصلت اليه اليوم. ورأينا في
هذه المناسبة ان نحاول المستحيل وهو ان
نسعى الى اختزال أطوار الصهيونية
ومراحلها الكبرى خلال هذا القرن مركزين
على مسيرة الصهيونية ذاتها. ما
هي أطوار الصهيونية ومراحلها الكبرى كما
تبدو لنا؟ يتراءى لي انه يمكن تبيان
أربعة أطوار رئيسية تنقسم بدورها الى
مراحل مميزة ونعتبر نهاية كل طور منها
محطة مفصلية تتلوها مراحل تشكل في تراكم
آثارها التقدم نحو المحطة التالية وهكذا
الى نهاية الأطوار الأربعة التي حددناها
ولكي تتكون لدى القارىء منذ البداية صورة
إجمالية شاملة يستعين بها لتتبع ما
بالذهن نورد فيما يلي قائمة بالأطوار
الأربعة السالفة الذكر والمراحل التابعة
لها وهي تلخص في نظرنا نمو الصهيونية من
البدايات اي من طور من اقتصر عملياً على
البكاء على الأطلال (وهي حائط المبكى) الى
وضع هيمنة "اسرائيل" على المشرق
العربي الذي نعيش اليوم في وسطه. كنا
قد نوينا في بادىء الامر ان نباشر فوراً
في تناول كل من هذه الاطوار والمراحل
تباعاً ليس بقصد التأريخ لكل منها (وهي
مهمة تحتاج الى اكثر من مجلد لإيفائها
حقها) بل بقصد التعريف ببعض اهم خصائص كل
طور ومراحله والتعليق عليها، كما بقصد
التدليل على الترابط العضوي بين الاطوار
والمراحل كافة ولكننا عدنا وتوقفنا عند
الطور الاول ووصلنا الى قناعة كلية
بخطورته الحاسمة في سياق سائر الاطوار
وبانه انما يمثل البنية التحتية لكل ما
تلاه وذلك لاكتمال عناصر نجاح الحركة
الصهيونية اللازمة بانتهائه عام 1917 من
تعبئة للارادة السياسية اليهودية
الهادفة، الى بلورة فكرة الدولة
اليهودية كحل "للمعضلة اليهودية"
الى اتفاق على برنامج تنفيذي لتحقيق
الدولة، الى مأسسة الحركة الصهيونية في
اطار تمثيلي تشريعي اعلى (المؤتمر
الصهيوني والمنظمة الصهيونية) الى خلق
الآليات المركزية القومية المنفذة
ميدانياً من مؤسسات جباية واستثمار الى
اكتشف صيغة الاستيطان "المثالية" (المستعمرة
التعاونية الجماعية) الى تدشين
الدبلوماسية والدعاية الصهيونية
الدولية الى وضع الأسس التنظيمية
السياسية للجاليات اليهودية في بلاد
الشتات الى الحصول على دعم الدولة
الاستعمارية العظمى حينذاك وهي بريطانيا.
الطور
الاول: (من البدايات - 1917): من البدايات الى
اكتمال عناصر النجاح
المرحلة
الأولى: (بدايات 1897): من البدايات الى
بلورة فكرة الدولة اليهودية وتختلف
الصهيونية بهذا المفهوم اختلافاً كلياً
عن انتقال مجموعات من اليهود الى فلسطين
عبر العصور اثر الفتح الاسلامي لغايات
دينية صرفة من زيارة وعبارة ومجاورة بل
ان الاوساط الدينية اليهودية الاصيلة
وحتى بعد ظهور الصهيونية السياسية
بمفهوم هرتزل والى الأمس القريب ظلت في
سوادها الاعظم مناهضة للصهيونية على
اعتبار ان "عودة" الشعب اليهودي
الجماعية الى فلسطين انما هي مرهونة
بالارادة الإلهية وظهور المسيح وان اي
محاولة لاستباق هذه الارادة بالمبادرة
السياسية البشرية ان هي الا بدعة تنبذها
تعاليم الدين ولا تقرها اطلاقاً. وهكذا
وجدت في فلسطين قبيل ظهور الحركة
الصهيونية جاليات يهودية متدينة نصفها
من اليهود الشرقيين (السفرديم) والنصف
الاخر من الاوروبيين (اشكناز) على عداوة
وخلاف مزمن مع بعضهم بعضاً اقامت في
المدن الاربع المقدسة في نظرهم (الخليل
والقدس وطبريا وصفد). واعتبر هؤلاء ان
العيش خارج هذه المدن والعمل لكسب العيش
في اي حرفة او صنعة كانت، انما هو منافٍ
للدين يصرفهم عن التعبد والصلاة فكانوا
لذلك عالة دائمة على ابناء دينهم في
اوروبا حيث جمعت لهم الصدقات سنوياً
كسباً للأجر والثواب لسد حاجاتهم
المعيشية ووفق نظام عرف بـ"الهالوكا"
وكان عدد هؤلاء اليهود المتدينين
المقيمين في فلسطين عند بدء الحركة
الصهيونية في اوائل الثمانينات من القرن
التاسع عشر حوالى 40,000 وكان البكاء عند
حائط البراق ("حائط المبكى") بالقدس
من اهم اعرافهم بدأ العمل به في اوائل
القرن السادس عشر ميلادي بعيد دخول
العثمانيين المدينة علماً بان العرف
الأقدم كان الوقوف على جبل الزيتون شرقي
القدس في مناسبات معينة لتأمل ما اعتبر
موقع هيكل سليمان والتحسر على اطلاله. سبق
عدد من مفكري اليهود هرتزل في بلورة
الفكر الصهيوني اهمهم خمسة: كاليشير
(1795-1874) وموزيس هس (1812-1875) وينسكر (1821-1891)
وموهيليفير (1824-1898) وغينزبرغ (1856-1927). تحدى
الحاخام كاليشير البروسي المولد الإجماع
الديني السائد بان افتى بان العمل
الميداني الاستيطاني في فلسطين يجب ان
يسبق ظهور المسيح المنتظر وان المعجزة
الربانية في خلاص اليهود ستلي حتماً مثل
هذا العمل فزرع بهذه الفتوى "المارقة"
بنور التوليف اللاحق بين الصهيونية
والفكر الديني اليهودي. وجزم موزيس هس
الالماني المولد والاشتراكي العلماني
زميل كارل ماركس باستحالة النهوض
باليهودية في الشتات الاوروبي المسيحي
وبوجوب اقامة دولة يهودية في فلسطين كشرط
مسق لإعادة إحياء اليهودية سياسياً وكان
على قناعة بان الدول المسيحية وعلى رأسها
فرنسا ستقدم العون لليهود لتحقيق هذا
الهدف. وحذر بنسكر الروسي المولد من
الوهم بان اللاسامية على طريق الاضمحلال
نظراً لان اليهود يعتبرون اغراباً حيثما
وجدوا وانه كلما وصل عددهم في اي بلد م
"حد الاشباع" نتج اضطهادهم تلقائياً
تبعاً لذلك، ودعا الى انشاء مركز قومي
وسياسي خاص بهم من دون تحديد مكانه والى
تنظيم مؤتمر قومي لاختيار البلد وتنظيم
الهجرة اليه. وصب فكر الحاخام موهيليفر
الروسي المولد في مصب فكر سلفه كاليشير
اذ دعا الى دراسة علوم الزراعة اضافة الى
الدراسات الدينية وذهب في حثه على
الاستيطان الى القول "بان الله يفضل ان
يعيش مع ابنائه في ارضهم (فلسطين) حتى ولو
لم يتقيدوا بتعاليم التوراة على ان يظلوا
في الشتات متقيدين بها". وشدد غنزبرغ
الروسي المولد على ان الدولة اليهودية
المرتجاة لا يجوز ان تكون ملجأ فحسب
للشعب اليهودي وانه لا بد من فترة انتقال
طويلة قبل انشائها يتم فيها عن طريق
تثقيف الذات قومياً وروحياً التخلص من
ادران الشتات البغيضة ومن الميوعة في
الاخلاق اليهودية والنزعة الخانعة الى
تقليد الغرب، لذلك وقف موقف الناقد لحركة
الاستيطان الصهيونية الجارية قبل
المؤتمر الصهيوني الاول وبعده. يتبين
لدارس هذه الكتابات ان اربعة عناصر
تتفاعل فيها: نظرة موغلة في التشاؤم
بالنسبة لأوضاع اليهود المستقبلية في
البلاد الاوروبية يردفها نفور من النزعة
اليهودية المتزايدة الى الاندماج فيها
مع توكيد على وجوب المحافظة على الهوية
اليهودية التراثية وتثبيتها واجماع على
الحيز المفضل لذلك انما هو فلسطين عن
طريق هجرة استيطانية جماعية اليها. ولا
شك في ان ظهور اللاسامية الاوروبية
العلمانية منذ اواسط القرن التاسع عشر
المتزامنة مع منح اليهود الحقوق المدنية
الكاملة في معظم الدول الاوروبية خلال
هذا القرن بتأثير الثورة الفرنسية
وتشريعات نابليون. احدثت صدمة نفسية
عنيفة لدى اليهود قاطبة حتى في الاوساط
الداعية الى الاندماج والتكيف في
اوطانهم الاوروبية بوحي من تعاليم
المصلح اليهودي الالماني موزز مندلسون
(1729-1786) وحركة التنوير اليهودية "الهمكالا"
التي اسسها. ونعني باللاسامية العلمانية
تلك الحركة التي رافقت ظهور العقيدة
القومية الاوروبية القائمة على مبدأي
النقاء العنصري والدولة الامة Nation
State
المتأثرة بالنظرية
الداروينية التي اكتسحت دول اوروبا خلال
القرن فجاءت لتضيف بعداً معاصراً للبعد
اللاهوتي لعداء اوروبا لليهود المتوارث
منذ نشوء المسيحية. وعبر عن هذه
اللاسامية الحديثة عدد من مفكري الغرب في
كتب تدل عناوينها على فحواها ومن اشهرها
كتاب "التفاوت بين الاجناس" لغوبينو
الإفرنسي الصادر عام 1853، وكتاب مار
الالماني بعنوان "انتصار اليهودية على
الالمانية" عام 1869" وكتاب درومنت
الافرنسي بعنوان "فرنسا اليهودية"
عام 1886. ولعل محاكمة الضابط اليهودي في
الجيش الفرنسي دريفوس عام 1894 من اشهر
الاحداث المرتبطة بانتشار اللاسامية
العلمانية في اوروبا الغربية، وحضرها
هرتزل بصفته الصحافية وكان لها الاثر
الحاسم في تطور عقيدته الصهيونية. ولم
تمض سنتان على حضور الصحافي الهنغاري
هرتزل محاكمة دريفوس حتى وضع كتيبه
بالالمانية عام 1896 (23,000 كلمة) بعنوان "دولة
اليهود" واعقبه بالدعوة الى انعقاد
مؤتمر يهودي عام لتنفيذ ما ورد فيه. لم
يأت هرتزل بجديد في تشخيصه للمعضلة
اليهودية او في وصفه للدولة اليهودية
كعلاج لها لكن الجديد كان في طرحه
المنهجي الهادىء وتوكيده الواثق على
الدولة كحل اكيد لما يعانيه اليهود في
المجتمعات الغربية واطمئنانه التام الى
امكان تحقيق الدولة عبر مقترحاته. واعتبر
هرتزل ان فكرة الدولة وامكان تحقيقها
تحتوي على قوة كامنة قادرة على تحريك
الشعب اليهودي وان اللاسامية الحديثة
جعلت من اليهود الذين فرقتهم تيارات
التنوير والاندماج شعباً Volk
واحداً متحداً واعظم قوة من ذي
قبل وان القضية اليهودية ليست قضية دينية
او اجتماعية (وان اتخذت هذه الاشكال
احياناً) ولكنها في الصميم قضية قومية
وان لا بد من تحويلها الى قضية سياسية
دولية لكسب التأييد الدولي للدولة
اليهودية كحل لها.
واكد
هرتزل ان الشعب اليهودي لا يقل وعياً او
ارادة او موارد او طاقات عن شعوب اليونان
ورومانيا والصرب والبلقان الذي حققوا
آمالهم حديثاً وان لدى اليهود حافز اضافي
هو اللاسامية. واقترح
هرتزل لتحقيق الدولة قيام هيئتين الاولى
"جمعية اليهود" Society
of Jews
والثانية الشركة اليهودية The
Jewish Company
، واعتبر الجمعية الاداة السياسية ذات
سلطة التقرير تقوم بكل الاعمال السياسية
المطلوبة من توعية الرأي العام اليهودي
والعالمي الى تنظيم الهجرة الجماعية الى
اختيار البلد المهاجر اليه الى اجراء
المفاوضات مع الدول الكبرى للحصول على
"البراءة" Charter
التي تعترف بالسيادة اليهودية
على البلد المختار.
ويذكر
ان هرتزل لم يحدد هذا البلد في كتابه بل
تساءل "هل يكون البلد فلسطين ام
الارجنتين؟ سنأخذ ما يعرض علينا وما
يختاره الرأي العام اليهودي". اما
الشركة فتتولى جمع المال وتنظيم التجارة
والصناعة في البلد المختار وتصفية
ممتلكات اليهود في اوروبا وشراء الاراضي
ومدّ المهاجرين بالمساكن والادوات
والقروض وتكون الشركة مساهمة محدودة
برأس مال قدره مئتا مليون دولار تسجل في
لندن تحت الحماية البريطانية اما المال
فأسهل مصدر للحصول عليه هو كبار
المتمولين اليهود فان تعذر فيحصل عليه من
البنوك الصغيرة وان تعذر فمن الاكتتاب
الشعبي اليهودي.
المرحلة
الثانية (1897-1914): من المؤتمر الصهيوني
الاول الى الحرب الكونية الاولى وكان
اكبر مستودع بشري يهودي يضم حوالى خمسة
ملايين منهم يخضع للحكم القيصري الذي حصر
اقامتهم في مقاطعاته الغربية البولندية
من دون سائر انحاء روسيا وعرفت هذه
المقاطعة التي امتدت من بحر البلطيق
الى البحر الاسود بـ Pale
of Settlement
اي "الفناء" وضيق عليهم وتكررت
الهجمات الجماهيرية الروسية التي عرفت
بـالبغروم Pogrom
على الجاليات اليهودية فيها مما دفعها
الى الهجرة خارج روسيا فتدفقت جموعهم نحو
الولايات المتحدة الامريكية ودخلها منهم
600,000 بين 1881 و1899 و 1,450,000 آخرون ما بين 1899 و
1914. مقارنة
بهذه الهجرة لمئات الآلاف من اليهود الى
الولايات المتحدة لم تزد هجرة اليهود الى
فلسطين بدافع الصهيونية خلال الفترة
ذاتها اي في العقدين السابقين والتاليين
للمؤتمر الصهيوني الاول (1880-1914) على 50,000
وجاءت هذه الهجرة في موجتين: الاولى من
"الفناء" ومن رومانيا بين 1882-1903
وعددها حوالى 6000 والثانية معظمها من "الفناء"
بين 1904-1914 وعددها حوالى 40,000. وعلى رغم قلة
عدد هؤلاء المهاجرين فقد كان لدخولهم
فلسطين في هذه الفترة بالغ الاثر على
مستقبل الحركة الصهيونية ذلك انهم شكلوا
النواة البشرية اللازمة للمجتمع
الصهيوني الجديد المزمع انشاءه من حيث
نظرتهم الاستعلائية على اهل البلاد من
العرب وطموحاتهم القومية وخبراتهم
المتنوعة المستقاة من بيئة "الفضاء"
القاسية ونظرياتهم الاجتماعية حصيلة
احتكاكهم بتيارات روسيا واوروبا الفكرية
عشية الثورة البلشفية. وضع
المؤتمر الصهيوني الاول بزعامة هيرتزل
برنامج الحركة الصهيونية الذي عرف "ببرنامج
بازل" واستمر العمل به الى ان حل محله
عام 1951 "برنامج القدس" الذي وضع في
اول مؤتمر ينعقد بع قيام دولة "اسرائيل".
وحدد البرنامج غاية الصهيونية
بالالمانية على انها "خلق مسكن ( Heimstatte)
للشعب اليهودي في فلسطين يضمنه "القانون
العام" واقرب تعبير بالانكليزية لـ Heimstatte
هو Homestead
الذي يعني "مكان منزل المرء" وكان
هدف هرتزل من الاصرار على هذه الصياغة،
وهو الداعي جهاراً الى قيام الدولة
اليهودية، التخفيف من مخاوف كل من الدولة
العثمانية وحلفائها والمتدينين اليهود
وكبار اثريائهم من دعاة الاندماج
بالمجتمعات الاوروبية فأرسى بذلك سابقة
في التمويه على الهدف من دون التخلي عنه
اصبحت من اهم ركائز الاستراتيجية
الصهيونية فيما بعد. اما الوسائل التي
حددها برنامج بازل لتحقيق الغاية
المعلنة فهي: وصل
هرتزل مبكراً الى قناعة راسخة بان اولى
اولويات العمل الصهيوني يجب ان تكون
الحصول على "براءة" شرعية Charter
لاستيطان فلسطين من الدولة
العثمانية ولا شك في ان نموذجية للبراءة
كانت تلك البراءات التي منحتها الدول
الاستعمارية الكبرى بريطانيا وهولندا
عبر القرون الى شركات خاصة للاستثمار
والاستيطان في مناطق اسيوية وافريقية
بدأ بـ"شركة الهند الشرقية"
البريطانية في اوائل القرن السابع عشر
وانتهاء بالبراءة التي منحتها الحكومة
البريطانية عام 1899 الى "شركة افريقيا
الجنوبية" التابعة لسيسل رودس
لاستعمار منطقة "الزمبيزي" واستعان
هرتزل بقيصر المانيا للتأثير على
السلطان عبدالحميد عام 1898 فسأله القيصر
"قل لي بكلمة ماذا تريدني ان اطلب من
السلطان" فأجاب هرتزل "شركة ذات
براءة Chartered
Company
تحت الحماية الالمانية"
وفشل هرتزل في مساعيه مع القيصر كما فشل
في مساعيه مع السلطان عبدالحميد الذي
قابله عام 1901. وعلى اثر فشله هذا لدى
اسطنبول اتجه هرتزل في سعيه نحو مانحة
البراءات العظمى: بريطانيا… وفي عام 1902
قابل وزير المستعمرات البريطاني جوزيف
شمبرلين واقترح هرتزل عليه استيطان
منطقة العريش في سيناء فوافق شمبرلين الا
ان المحادثات مع الحكومة المصرية اخفقت
فما كان من شمبرلين نفسه الا ان عرض عام
1903 على هرتزل براءة لاستيطان افريقيا
الشرقية ولحرص هرتزل على الحصول على
براءة من بريطانيا بالذات اقترح على
المؤتمر الصهيوني السادس عام 1903 ايفاد
بعثة لتقصي اوضاع المنطقة الافريقية
المقترحة مما اثار معارضة شديدة داخل
المؤتمر اتهمت هرتزل "بخيانة
الصهيونية" لتخليه عن فلسطين. ومع ان
مشروع افريقيا لم يتحقق وتوفي هرتزل في
العام التالي فقد نجح هرتزل في تنبيه
حركته الى اهمية البراءة القصوى كما نجح
عبر المؤتمر الصهيوني واتصالاته مع
صانعي القرار في وضع الحركة الصهيونية
على خريطة الدبلوماسية الدولية وفي
استدرار عرضين استيطانيين من اكبر عاصمة
استعمارية في العالم. وقامت
خلال هذه المرحلة اثناء حياة هرتزل وبعد
وفاته بعض اهم المؤسسات الصهيونية وعلى
رأسها المنظمة الصهيونية ذاتها التي
اصبح المؤتمر هيئتها التشريعية
والسياسية العليا وضمنت المنظمة امكان
كسب قاعدة شعبية لها على اسس تمثيلية
ديمقراطية عبر نظام "الشاقل" بقيمة
رمزية قدرها مارك واحد او فرنك او شلن
ينتخب كل مئة دافع شاقل ممثلاً واحداً
عنهم في المؤتمر. وامن هذا المصدر دخلاً
لتغطية نفقات المؤتمر ذاته ونفقات لجنته
التنفيذية ومكتبها المنبثقتين عنه عن
طريق الانتخاب ايضاً. وضمنت هذه
الترتيبات استمرار المنظمة كمؤسسة لا
ذاتية تؤمن انتقال السلطة بالتتابع. وقام
التنظيم الصهيوني في مختلف البلاد على
اساس اللامركزية والتوافق مع القوانين
المرعية فارتبطت الجمعيات الصهيونية
المحلية طوعاً باتحاد عام Federation
لكل بلد ارتبط بدوره باللجنة التنفيذية
المركزية واقر مبكراً مبدأ التعددية
واضيف لتنظيم الاتحادات الافقي تنظيم
عمودي افسح المجال لانضمام احزاب
عقائدية غير مرتبطة ببلد معين عرفت
بالاتحادات المنفصلة Separate
Unions انتسبت عن طريقها الى
المنظمة فئات اشتراكية ومتدينة. وهكذا
ورغماً عن المعارضة الشديدة التي
واجهتها الصهيونية في بادىء الامر من
الاندماجيين ومن المتدينين عموماً،
اوجدت الاطر والمبادىء الكفيلة بتوسيع
دائرة التأييد لها الى اقصى الحدود عند
توفر الظروف الملائمة وغدت المنظمة
الصهيونية الهيئة اليهودية القادرة على
الادعاء بصدقية بتمثيل الشعب اليهودي
بأسره.
إضافة
الى المنظمة الصهيونية، تأسست مؤسستان
خطيرتان رسميتان أخريان اثناء حياة
هرتزل بقرار من المؤتمر الاستعماري
اليهودي Jewish
Colonial Trust
( عام 1899) والصندوق اليهودي القومي Jewish
National Fund
( عام 1901). اما الصندوق الاستعماري، وهو
الهيئة المالية الرئيسية للمنظمة
الصهيونية، فكان التجسيد لفكرة "الشركة
اليهودية" التي ذكرها هرتزل في كتابه
"دولة اليهود" والمرشحة لاستلام
البراءة من مانحيها وتأسس الصندوق في
لندن كشركة مساهمة محدودة برأس مال معلن
قدره مليونا جنيه اكتتب منه حوالى 400,000
جنيه فقط بسبب إحجام كبار المتمولين
اليهود عن المساهمة فيه، بيد انه لاقى
تجاوباً واسعاً لدى الفقراء اليهود
الذين اقبلوا على شراء اسهمه بسعر جنيه
واحد للسهم، لكونه يجمع للمرة الاولى في
تاريخ المؤسسات اليهودية بين هدفي الربح
المادي والخدمة القومية. وتفرغ عن الصدوق
عدة شركات مصرفية بدت على انها الادوات
الميدانية الصهيونية المفضلة آنذاك
واهمها "شركة الانجلو بالستين" (1803)
و"شركة انجلو ليفانتين المصرفية"
(1908) و"شركة تطوير اراضي فلسطين" Palestine
Land Development Co. ( 1908
) وجميعها سجلت في لندن كشركات مساهمة
محدودة وأسست "الانجلو بالستين"
فروعاً لها في كل من بيروت والقدس ويافا
والخليل وحيفا وصفد وطبريا، بينما أسست
"الانجلو ليفانتين" فرعاً في
اسطنبول، اما "شركة تطوير اراضي
فلسطين" فأصبحت الاداة الرئيسة لشراء
الاراضي باسم "الصندوق القومي اليهودي"
وهو الصندوق الذي خصص لتمويل شراء
الاراضي في فلطين على ان تبقى ملكاً
للشعب اليهودي غير قابل للتصرف وتؤجر
لليهود من دون سواهم ولا يسمح لغير
اليهود العمل فيها. وتم تسجيل الصندوق في
لندن كشركة "محدودة بالكفالة وبدون
رأس مال موزع في اسهم"، وقام الصندوق
على اساس الجباية الشعبية بواسطة طوابع
بريد وصناديق صغيرة خاصة وضعت في المنازل
والمؤسسات العامة حيثما وجدت جاليات
يهودية في العالم، فخلق بذلك حلقة واسعة
من اليهود العاديين المؤيدين مباشرة
لأهداف الصهيونية. والصندوق،
وان لم يلعب دوراً حاسماً في شراء
الاراضي في هذه المرحلة بالذات، فانه
لعبه في الطور المقبل وهو على كل حال جسد
منذ البداية عبر المبادىء التي قام عليها
خطوط الاستراتيجية الصهيونية
الاقتصادية الكبرى الهادفة الى انشاء
اقتصاد مستقبل منفصل عن اقتصاد عرب
فلسطين قاعدة لقيام الكيان السياسي
عليها لاحقاً. ومن
اهم المؤسسات الصهيونية في هذه المرحلة،
ان لم يكن اهمها ميدانياً، مكتب فلسطين The
Palestine Office الذي تأسس عام 1908
وعكس في نشاطاته توجه الحركة الصهيونية
بعد وفاة هرتزل وتجميد السعي للحصول على
ابراءة نحو العمل الاستيطاني المكثف
وتولى ادارته البيروقراطي البروسي الفذ
ارثور روبين (1876-1943) الذي جعل من المكتب
الهيئة المشرفة العليا على كافة
النشاطات الصهيونية في فلسطين، ونسق من
خلاله عمليات شراء الاراضي، ان من قبل
المؤسسات الصهيونية الرسمية او من قبل
شركات خاصة او افراد ووضع خطة جغراسية geopolitical
لشراء الاراضي تعتمد وجوب
الاستيطان المتصل على محاور ثلاثة: اولها
السهل الساحلي بين يافا وحيفا، وثانيها
السهل الداخلي بين حيفا وطبريا، وثالثها
حوض الاردن من طبريا الى اعالي النهر،
وهي الخطة التي تم تنفيذها في الطور
التالي وارست البنية التحتية الارضية
للدولة اليهودية. وروبين هو الذي رعى في
هذه المرحلة التجارب الاولى للقربة
الجماعية التعاونية (الكيبوتس) التي
اصبحت لاحقاً رأس حربة في اعقاب وعد
بلفور.
وتميزت
هذه المرحلة ايضاً بظهور تنظيم عمالي
حزبي بين صفوف مهاجري الموجة الثانية
(1903-1914) انبثق عن حزب "بوعالي زيون"
الماركسي والروسي الاصل وتزعم التنظيم
الفلسطيني منه ديفيد بن غوريون الروسي
البولوني الاصل (1886-1973) الذي دعا الى
ضرورة تكييف النظريات الماركسية
والاشتراكية الدولية مع ظروف العمال
اليهود في فلسطين، ذلك ان هؤلاء يسعون
الى تأسيس وطن قومي لهم فيها فطالب بـ"الاستيلاء
على العمل" Conquest
of Labour في المستعمرات.
والمنشآت
اليهودية في فلسطين، اي عدم السماح للعرب
بالعمل فيها. وهكذا تم التلاقي بين
القاعدة العمالية الشعبية والمؤسسة
السياسية الصهيونية حول وجوب انفصال
الاقتصاد الصهيوني عن الاقتصاد العربي،
ووضعت اسس التحالف السياسي اللاحق
بينهما وفي الوقت نفسه تألفت اول مجموعة
عمالية مسلحة يهودية باسم Hashomer
( 1908 )
" الحارس" التي كان من اهم
اهدافها اخراج الحراس العرب من
المستعمرات اليهودي فجاءت نذيراً مبكراً
بما هو آت. والمفارقة
الكبرى طوال هذه الفترة هي حاجة المنظمة
الصهيونية الى المال، بسبب موقف كبار
المتمولين اليهود منها، غير ان كبار
المتمولين اياهم هم الذين سدوا هذه
الثغرة ليس عبر المنظمة او مؤسساتها، لكن
بما قدموه مباشرة الى المستوطنين في
فلسطين، وكان على رأس هؤلاء المتمولين من
غير الصهاينة اسماً ( Non-Zionist)
البارون ادموند روتشيلد (1845-1935) عميد
الفرع الفرنسي للعائلة الذي لولا ما تبرع
به لانهار حركة الاستيطان الصهيونية
بكاملها ما بين اوائل الثمانينات وعام 1914،
فقد بلغ مثلاً ما انفقته جمعية "احباء
صهيون" وهي اكبر جمعية روسية صهيونية
في "فناء الاستيطان" مثلت عشرات
الآلاف من الاتباع، بلغ ما انفقته في
فلسطين بين 1884 وانعقاد المؤتمر الصهيوني
الاول عام 1897 مليوني فرنك، بينما لا بلغ
ما انفقه روتشيلد بمفرده خلال الفترة
ذاتها اربعين مليون فرنك. وهكذا مهما
اختلفت دوافع الاطراف اليهودية العدة،
فان الظاهرة المواكبة لتطور الصهيونية
الى الآن تشير الى ان مساعي هذه الاطراف
جميعاً تصب دوماً في مصب واحد.
المرحلة
الثالثة (1914-1917) من بداية الحرب الكونية
الاولى الى وعد بلفور ومع
ان الامبراطورية العثمانية غدت في القرن
التاسع عشر "رجل اوروبا المريض" الا
ان سياسة بريطانيا العظمى الثابتة كانت
الحفاظ عليها تجاه اطماع روسيا القيصرية
الى ان قررت بريطانيا احتلال مصر عام 1882
ومنذ ذلك الحين اخذت الهوة تتسع بين
اسطنبول ولندن وتضيق بين الاولى وبلين
وهكذا عند اندلاع الحرب الكونية الاولى
حاربت الدولة العثمانية بجانب المانيا
والنمسا - هنغاريا ضد التحالف الثلاثي
المؤلف من روسيا وبريطانيا وفرنسا الذي
انضمت اليه الولايات المتحدة لاحقاً. وباشتراك
اسطنبول في القتال برز احتمال هزيمتها
وبالتالي مصير ولاياتها العربية بما
فيها فلسطين بعد الحجرب وعلى اثر فشل
جمال باشا قائد الجيش العثماني الرابع في
اقتحام قناة السويس عام 1915 واستلام
القوات البريطانية المرابطة في مصر تحت
قيادة الجنرال اللنبي زمام المبادة زاد
احتمال هزيمة الدولة العثمانية ودخول
جيوش اللنبي الولايات العربية وزاد معه
نشاط الاطراف المعنية في التداول
والتفاوض فيما بينها بالنسبة لمستقبل
هذه الولايات. فكانت المحادثات بين
الشريف حسين والمندوب السامي البريطاني
في مصر السير هنري مكماهون (تموز / يوليو
1915 آذار / مارس 1916) ومعاهدة سايكس - بيكو
البريطانية - الفرنسية (ايار / مايو 1916)
والمحادثات بين بريطانيا وامريكا
والمنظمة الصهيونية (1915 - 1917) التي افضت
الى وعد بلفور. ومحادثات
الشريف - مكماهون لا تعنينا هنا مباشرة
سوى للتذكير بان وعود بريطانيا حينذاك
وسائر وعود العواصم الغربية في اكثر من
قارة منذئذٍ الى العرب لا تتعدى قيمتها
في معظمها قيمة الحبر والورق المستنفدين
في كتابتها. اما معاهدة سايكس-بيكو فقد
عكست اعتراف الحليفين المحاربين
الكبيرين التبال بـ"حقوق" في المشرق
العربي كما عكست شرههما على اقتسام غنائم
الحرب فيما بينهما والواقع ان هذا
الاتفاق الثنائي كان جزءاً من اتفاق
ثلاثي ضم روسيا القيصرية وشمل تقسيم
الولايات العربية، ويلاحظ بالنسبة الى
الدول العربية المزمع انشاؤها انها
محاطة باليابسة لا منفذ لها الى البحر
سوى عبر النقب جنوب غزة بينما الساحل
اللبناني - السوري يقع تحت الحكم
البريطاني المباشر ويقع النصف الجنوبي
من العراق والمحاذي لخليج العرب تحت
الحكم البريطاني المباشر اما بالنسبة
الى فلسطين فنصت معاهدة سايكس - بيكو ان
تكون من غزة الى شمال عكا وغرب نهر الاردن
تحت حكم "دولي" International
من دون تحديد صفته على ان تحكم
بريطانيا خليج عكا - حيفا والسهل بينهما.
لم
تكن المنظمة الصهيونية عن اندلاع الحرب
او خلالها في وضع تحسد عليه بصفتها منظمة
دولية لها فروع في جميع الدول التجارية.
فبينما كان مقر لجنتها التنفيذية الرسمي
(الكتب) في برلين كان معظم مؤيديها في "فناء
الاستيطان الروسي" ومستعمراتها في
فلسطين حين امر جمال باشا بطرد احد عشر
الف يهودي منها لكونهم من التبعية
الروسية بينما كانت مؤسساتها المالية
الكبرى في لندن، وتمكنت المنظمة ليس من
تخطي هذه العقبات الكأداء فحسب بل وايضاً
من التقدم بخطوات عملاقة تجاه اهدافها
وبزغت المنتصرة الاولى في الشرق الاوسط
في تسوية ما بعد الحرب على رغم وجود مقرها
في عاصمة الحلف المنهزم، فكيف كان ذلك؟. كان
من الطبيعي ان يفكر مكتب اللجنة
التنفيذية للمنظمة الصهيونية في بادىء
الامر بالانتقال الى عاصمة محايدة على
انه ما لبث ان ادرك ان انسحابه من برلين
سيؤدي الى فقدان اي نفوذ له فيها،
وبالتالي الى فقدان وسائل التأثير على
اسطنبول عبر برلين للتخفيف من تدابير
الاولى ضد المستوطنين في فلسطين. لذلك
قرر البقاء في برلين اضافة الى فتح مكتب
له في عاصمة محايدة (كوبنهاغن) ليكون صلة
الوصل بينه وبين سائر العالم الا ان
الخطوة الاخطر والاكبر شأناً كان القرار
بنقل مركز الثقل للنشاط السياسي
الصهيوني الى الولايات المتحدة لوجود
اغنى جالية يهودية في العالم فيها
واكبرها خارج "فناء الاستيطان"
الروسي ولكون الولايات المتحدة بلداً
محايداً حافظ على حياده لغاية نيسان (ابريل)
1917 عندما اعلن الحرب على المانيا من دون
الدولة العثمانية واردف المكتب قراره
هذا بإيفاده احد اعضائه ناحوم سوكولوف
(1859-1936) الروسي - البولوني المولد الى
بريطانيا لتمثيل المنظمة فيها وشهدت
السنون القليلة التالية الحصيلة العجيبة
للتنسيق المحكم بين النشاط الصهيوني
الدبلوماسي في كل من البلدين: الولايات
المتحدة وبريطانيا. بلغ
عدد يهود امريكا عند اندلاع الحرب
الكونية الاولى حوالى ثلاثة ملايين جاء
معظمهم من "فناء الاستيطان" الروسي
كما اسلفنا. اما النخبة فكان معظمهم من
اصل الماني جاؤوا قبل اليهود الروس
وكانوا باستثناء اقلية صهيونية من دعاة
الاصلاح ( Reform)
والاندماج وحريصين على إثبات ولائهم الى
الولايات المتحدة فكان شعارهم "هذا
البلد فلسطيننا وهذه المدينة قدسنا وبيت
الله هذا معبدنا" ولم يتجاوز اعضاء
الاتحاد الصهيوني الامريكي عام 1914 الـ12,00
بينما لم تتجاوز ميزانية 15,000 دولار، الا
انه لم يلبث ان انقلب الوضع في بضعة سنين
رأساً على عقب ويعود ذلك في اكثره الى فرد
يهودي واحد هو القانون لويس برانديس
(1856-1941) الامريكي المولد. تخرج
براندس في الحقوق من جامعة هارفرد وتخصص
في النزاعات بين العمال واصحاب العمل
وتبنى جانب المستهلك والعالم واشتهر
وسمي "نصير الشعب" وجلب انظار
الدوائر الليبيرالية وكان من ابرز من
اعجب به وودرو ولسن (1856-1924) رئيس الولايات
المتحدة (1913-1921) الذي اصبح برانديس من اهم
مستشاريه ومن اقرب المقربين لديه وعينه
عضواً في محكمة الولايات المتحدة العليا
عام 1916 وهو اول يهودي يحتل هذا المنصب
الرفيع. قبل
برانديس طلب المنظمة الصهيونية في آب (أغسطس)
1914 اي بعيد اندلاع الحرب ان يتولى رئاسة
اللجنة التنفيذية المؤقتة Provisional
Executive Committee التي تألفت في
الولايات المتحدة وقامت عملياً مقام
مكتب المنظمة المعطل في برلين وكان من
اول اولوياتها حماية المستوطنين في
فلسطين ومدهم بالمساعدات والمال
والتخطيط والتسوية بعد الحرب بالنسبة
لفلسطين ولأوضاع الاقليات اليهودية
عموماً في اوروبا، فاندفع برانديس في
تنظيم الاتحاد الصهيوني الامريكي
والتجنيد له وفي زيادة موارده وجمع المال
والمؤن وارسالها على سفن البحرية
الامريكية الى فلسطين واقنع واشنطن بنقل
اليهود الذين طردهم جمال باشا الى مصر
على هذه السفن ايضاً، وحفّز الخارجية
الامريكية للتوسط لدى اسطنبول للتخفيف
على المستوطنين وبدء سلسلة لقاءات مع
سفيري بريطانيا وفرنسا في واشنطن
بالنسبة لمستقبل المشرق، وتم كل هذا
بمعرفة الرئيس ولسن ورضاه.
وتصدى
برانديس لما له من نفوذ معنوي وسياسي
لتهمة "الولاء المزدوج" التي وسمت
الصهيونية بها من قبل انصار الاصلاح من
اليهود ومن غيرهم من اعدائها فدعا جهاراً
الى رفض نظرية "وعاء الانصهار" Melting
Pot نموذجاً للمجتمع الامريكي
المختلط العناصر وطالب باعتماد "التعددية
الحضارية" Cultural Pluralism نموذجاً
بديلاً معلناً ان "امريكا تعتبر
التنوع دون النسق الموحد درب التقدم
الصحيح" وان" كل يهودي امريكي يساعد
في استيطان اليهود فلسطين حتى اذا لم
يرغب لنفسه او لأحفاده الهجرة اليها يغدو
انساناً افضل وامريكياً افضل بهذه
المساعدة" ففتح الباب بذلك للنشاط
الصهيوني في امريكا على مصراعيه والى
يومنا هذا. وما ان حل عام 1919 حتى كان عدد
اعضاء الاتحاد الصهيوني الامريكي قد قفز
نتيجة لذلك الى 176,000 وميزانيته الى 3
ملايين دولار.
في
هذه الاثناء كان يتحرك على الساحة
البريطانية زعيم صهيوني اخر فذ هو
الدكتور حاييم وايزمن (1874-1952) الروسي
المولد وخريج جامعات المانيا في
الكيمياء، وكان وايزمان في المؤتمرات
الصهيونية المتعاقبة من اشد المعارضين
لسياسة هرتزل القائمة على "البراءة
اولاً" ولمشروع افريقيا الشرقية
بالذات وغادر اوروبا سنة وفاة هرتزل (1904)
لينتقل نهائياً الى بريطانيا حين التحق
بجامعة مانشستر محاضراً في مادة
الكيمياء. وعلى
رغم كونه عضواً في لجنة المنظمة
التنفيذية الا ان وايزمان لم يكن عضو
مكتب اللجنة وبالتالي لم يتكن له صفة
رسمية لتمثيل المنظمة كالتي كانت
لسوكولوف. ومع ذلك اصبح لقوة شخصيته
ودهائه وسعة اتصالاته القائد الفعلي
للدبلوماسية الصهيونية في بريطانيا خلال
الحرب. وقد وصف وايزمان نفسه بانه "ججنائني"
وليس مهندساً فهو يزرع "بصلة" في
التربة الخصبة حيثما يجدها ويرعاها
جميعاً بعناية وطول نفس الى ان تنضج
ويحين قطافها. ولم
يكن الوضع بالنسبة للحركة الصهيونية في
بريطانيا ليختلف كثيراً عنه في الولايات
المتحدة عند بدء الحرب بأكثرية النخبة
اليهودية اندماجية النزعة حريصة كل
الحرص على تفادي تهمة "الولاء المزدوج"
ومناهضة الصهيونية على ااس ان اليهودية
دين واليهود لا يشكلون شعباً بحاجة الى
وطن غير البلاد التي تقطنها الجاليات
اليهودية العدة. وكانت تمثل هذه الاكثرية
النخبوية تجاه الحكومة البريطانية "لجنة
مشتركة للشؤون الخارجية" انتظمت فيها
الهيئات الرئيسية اليهودية في بريطانيا
وكان ابرز قادتها اللورد ادوين مونتاغيو
(1879-1924) الوزير في وزارة كل من هربرت
اسكويت (1906-1922) التي تلتها واللتين قادتا
البلاد خلال سني الحرب. على
انه كما في الولايات المتحدة كان
للصهيونية بؤر ملتزمة ناشطة ذات صلات
واسعة بالمؤسسة الحاكمة البريطانية ما
لبث ان اقام وايزمان معها اوثق العلاقات
ليصبح قائدها ومرشدها في الشؤون
الصهيونية ومسخراً اياها لاغراض منظمته. وينقسم
نشاط وايزمن منذ قدومه الى بريطانيا عام
1904 ولغاية وعد بلفور (1917) الى اقسام ثلاثة:
فترة ما قبل الحرب، فترة ما تبقى من وزارة
هربرت اسكويت (1914-1916) في سني الحرب
الاولى، وفترة وزارة لويد جورج، ففي
الفترة الاولى كانت قاعدة وايزمان
الاساسية العدائل الثلاثة اليهود
الصهيونيين المقيمين في مانشستر الذين
عرفوا بـ"عصبة مانشستر" وهم سايمون
ماركس ابن مؤسسة شبكة مخازن "ماركس اند
سبنسر" الكبرى واسرائيل سيف رئيس
الشبكة وهاري ساكر كاتب الافتتاحيات في
جريدة "المانشستر غارديان" اليومية
الواسعة الانتشار لصاحبها شارلز سكوت
المسيحي عضو حزب الاحرار في البرلمان
والصديق الحميم والمستشار المقرب لـ
لويد جورج وزير المال ثم العتاد الحربي
في وزارة اسكويت، وخلف اسكويت في رئاسة
الوزارة الذي كان بصفته محام قد مثل
المنظمة الصهيونية في المحادثات الخاصة
في افريقيا الشرقية بينها وبين الحكومة
البريطانية عام 1903. ولعل
اهم حدث بالنسبة لنشاط وايزمان في هذه
الفترة كان مقابلته الاولى لـ آرثر بلفور
(صاحب الوعد لاحقاً) عام 1906 بواسطة عضو
البرلمان المحافظ اليهودي الصهيوني
شارلز درايفوس بطلب من بلفور الذي كان
حريصاً على معرفة الاسباب الحقيقية لرفض
المنظمة الصهيونية لمشروع افريقيا
الشرقية الذي كانت الحكومة البريطانية
قد قدمته اليها عندما كان بلفور نفسه
رئيساً للوزارة (1901-1905) وارست هذه
المقابلة اسس صداقة متينة واعجاب متبادل
بين وايزمان وبلفور. وما
ان اندلعت الحرب حتى باشرت "المانشستر
غارديان" بالدعوة بتوجيه صاحبها سكوت
الى ضم فلسطين في اي تسوية بعد الحرب الى
الامبراطورية البريطانية وبالتحذير من
"سقوطها" تحت الحكم الفرنسي حفاظاً
على مصلحة الامبراطورية العليا وضماناً
لأمن قناة السويس. وفي الوقت نفسه ارتفع
صوت من داخل وزارة اسكويت في شخص الوزير
هربرت صموئيل اليهودي الصهيوني (1870-1963)
واول مندوب سام بريطاني في فلطين لاحقاً
(1920-1925) الذي ذهب الى ابعد مما ذهب اليه
سكوت (ولم يكن بعد قد قابل وايزمان)
واقترح على زميله في الوزارة لويد جورج
انشاء دولة يهودية في فلسطين بعد الحرب
باسم الحفاظ على امن الامبراطورية
البريطانية ايضاً واردف ذلك بعد مقابلة
وايزمان بمذكرة خطية الى الوزارة بهذا
المعنى في كانون الثاني (يناير) 1915 ولم
يلبث ان تعرف سكوت على وايزمان بواسطة
هاري ساكر كاتب الافتتاحيات في "المانشستر
غارديان" اياه فعرفه بدوره على صديقه
لويد جورج وهكذا وجد وايزمان نفسه في قلب
دائرة صنع القرار البريطانية. ومما
زاد في ترسيخ اقدامه داخل هذه الدائرة
انه وهو الكيميائي الماهر اكتشف في هذه
الفترة وسيلة لانتاج مادة "الاسيتون"
الاساسية لصنع المتفجرات مما ازال
اعتماد بريطانيا على استيراد موادها من
وراء البحار فعين عام 1916 رئيساً لمختبر
الاميرالية البريطانية (الوزارة البحرية)
في لندن الامر الذي يسر عليه اتصالاته
وقربه اكثر فأكثر من كبار الوزراء امثال
ونستون تشرشل وزير البحرية ولويد جورج
وزير العتاد الحربي وآرثر بلفور وزير
الخارجية. وفي هذه الاثناء تبلورت
المطالب الصهيوني بإرشاد وايزمان وقدم
في تشرين الاول (اكتوبر) "برنامجاً"
الى الحكومة البريطانية "لاعادة"
استيطان فلسطين من قبل اليهود عن طريق
الهجرة الجماعية من الخارج بهدف انشاء
"مسكنهم" ( Home)
فيها وعلى اساس الاعتراف بالجنسية
اليهودية المنفصلة Separate
Jewish Nationality على ان تمنح
المنظمة الصهيونية "براءة" ( Charter)
تتولها "شركة يهودية" Jewish
Company لهذا الغرض. وطالب
البرنامج بسلطات واسعة للشركة تتضمن حق
الافضلية في الحصول على "اراضي الدولة
واي اراض اخرى… وعلى جميع او اية
امتيازات Cojncessronsa كما طالب
بحق انشاء السكك الحديدية والطرق وشبكات
التلغراف والتلفون وبناء الموانىء
واحواض السفن وتأسيس شركات الشحن البحري.
ويلاحظ التطابق التام بين برنامج
وايزمان مع ازاء هرتزل ومساعيه ومع "برنامج
بازل" الذي وضعه المؤتمر الصهيوني
الاول.
لم
يتأثر رئيس الوزارة اسكويت بهذا كله بل
كان هزأ من مذكرة هربرت صموئيل لعام 1915
واعرب عن دهشته ان تصدر عنه مثل هذه
الاراء الخيالية ولكن ايام اسكويث في
الحكم كانت قد قاربت من النهاية. تبدأ
فترة نشاط وايزمان الثالثة والحاسمة
بسقوط اسكويت في كانون الاول (ديسمبر) 1916
وتولى لويد جورج رئاسة الوزارة مع حفاظ
بلفور على منصب وزير الخارجية. وفي كانون
الثاني (يناير) 1917 يلتقي وايزمان بسايكس
للمرة الاولى وكان سايكس غير مرتاح للصفة
الدولية التي نصت عليها معاهدته مع بيكو
ذلك ان بمفهوم 1917 كانت هذه الصفة تعني
عملياً حكماً مشتركاً بريطانياً-فرنسياً
لم تكن بريطانيا لتسعد له فكانت هذه
الارضية المشتركة بين سايكس ووايزمان
علماً بان سايكس كان المسؤول الاول عن
شؤون الشرق الاوسط في الخارجية
البريطانية ومساعد سكرتير وزارة الحرب
لشؤون المنطقة. وبدأت منذ هذا اللقاء
سلسلة اجتماعات بين الاثنين نصح سايكس
وايزمان فيها بالاكتفاء في تلك المرحلة
بصيغة مختصرة لمطالب الصهيونية تعرض على
وزارة الحرب عوضاً عن "برنامج 1916". وبدخول
امريكا الحرب ضد المانيا (وليس ضد الدولة
العثمانية) في نيسان (ابريل) 1917 حرصت
بريطانيا على التنسيق مع واشنطن وبرزت
اهمية موقع برانديس فيها نظراً لقربه من
وونرو ويلسون فزار بلفور واسنطن واشنطن
وقابل كل من ويلسون وبرانديس. وكان
برانديس في هذه الاثناء قد تلقى صيغة
اولى لمطالب الصهيونية من وايزمان عملاً
بنصيحة سايكس كان قد بحثها مع ويلسون قبل
مجيء بلفور ولم يبحث بلفور المطالب
الصهيونية مع ويلسون مباشرة لكنه اطلعه
على معاهدة سايكس - بيكو السرية
وبالمقابل بحث هذه المطالب مع برانديس
الذي اكد له تأييد ويلسون لها. وبانتشار
انباء الاتصالات بين الحكومة البريطانية
والحركة الصهيونية اشتد في لندن النزاع
العلني بين مؤيدي الصهيونية ومعارضيها
من اليهود. وكما حصل في الولايات المتحدة
عزز التأييد الرسمي الحكومي للصهيونية
موقف الفريق الصهيوني تجاه الفريق
اليهودي المعارض ولكن في الوقت نفسه
اربكت المعارضة اليهودية الشديدة
للصهيونية مؤيدي الصهيونية داخل الحكومة
البريطانية. وفي 24 ايار (مايو) 1917 نشرت "اللجنة
المشتركة اليهودية للشؤون الخارجية"
رسالة في جريدة "التايمز" رفضت فيها
المطالب الصهيونية وانكرت ان الشعب
اليهودي مشرد وبحاجة الى وطن لإيوائه.
ففجرت الرسالة اللجنة من الداخل مما افسح
المجال لوايزمان ان يطلب من بلفور
بالاشتراك مع اللورد ليونيل روتشيلد
(1868-1937) عميد فرع العائلة البريطاني
والرئيس الفخري للاتحاد الصهيوني الذي
اصبح وايزمان رئيساً له ان تقدم الحكومة
البريطانية رسمياً على الاعتراف
بالمطالب الصهيونية. وبين
تموز (يوليو) 1917 اشترك الطرفان البريطاني
والصهيوني في إعداد نص لتصريح يصدر عن
الحكومة البريطانية بتأييد المطالب
الصهيونية، وقدمت مسودة الى وزارة الحرب
في 3 ايلول (سبتمبر) تنص على ان بريطانيا
"تقبل مبدأ اعادة تكوين فلسطين مسكناً
قومياً للشعب اليهودي" Reconstituted
As " The
National Homea " ويبدو
ان هذا النص كان يلقى تأييداً من بلفور
الا ان اللور منتاغيو اليهودي المعارض
للصهيونية وزير الدولة لشؤون الهند في
وزارة لويد جورج عارض اصدار مثل هذا
التصريح بشدة جعلت الوزارة تقرر احالة
الامر الى الرئيس الامريكي ويلسون
للإلتفاف على منتاغيو فلم يصدر عن ويلسون
ما ينم عن تأييده له فاستغاث وايزمان
ببرانديس وحثه على استصدار تأييد من
ويلسون واكد هذا له "عطف ويلسون الكامل"
على الصهيونية ولكن تطمينات برانديس هذه
كانت من عندياته والمطلوب جواب مباشر من
ويلسون نفسه فدخلت الحركة الصهيونية في
ازمة لان جدول اعمال وزارة الحرب حافل
باخطر القضايا المصيرية الاخرى وتدخل
سكوت مع صديقه لويد جورج لإعادة وضع
الموضوع على جدول الاعمال ونظرت وزارة
الحرب ثانية فيه بتاريخ 4 تشرين الاول (اكتوبر)
1917 وكانت الصيغة قد عدلت املاً بإرضاء
منتاغيو فجاءت تنص على ان بريطانيا "تنظر
بعطف الى إنشاء مسكن قومي للشعب اليهودي
في فلسطين" Establishment
In Palestine Of A National Homea مما جعل
الوزارة تقرر احالة الامر ثانية الى
ويلسون واستغاث وايزمان مكرراً ببرانديس
وحضه على إقناع ويلسون وبالاجابة
السريعة " Now " وارسل
اليه نص التصريح المعدل وكان ذلك في 10
تشرين الاول. وفي 13 تشرين الاول قال
ويلسون لمستشاره الاول الكولونيل هاوس:
"اجد في جيبي مذكرتك حول الحركة
الصهيونية واخشى انني لم اذكر لك انني
اوافق على الصيغة التي يقترحها الطرف
الاخر، انني اوافق على الصيغة واكون
ممتناً لو اخبرتهم بذلك" فكان هذا
الضوء الاخضر لإصدار وعد بلفور المشؤوم
في 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 1917. الطور
الثاني (1917-1948): من اكتمال عناصر النجاح
الى قيام الدولة بالحرب
المرحلة
الاولى (1917-1922) من دعم الدولة العظمى الى
الشرعية الدولية وكان
لوعد بلفور فعل السحر في الجاليات
اليهودية الغربية ازال تحفظات العديدين
من اليهود على الصهينية وتخوفهم من تهمة
"الولاء المزدوج" فاستغلت الحركة
الصهيونية ذلك الى ابعد الحدود وعوضت عن
انقطاع الاتصال بيهود روسيا بسبب الثورة
البلشفية بحشد التأييد الشعبي لها في
الولايات المتحدة على نطاق لم تكن لتحلم
به قبلاً وذلك تمهيداً لعرض مطالبها
بالتنسيق الوثيق مع الراعي البريطاني
على مؤتمر الصلح المقبل فانعقد في كانون
الاول (ديسمبر) 1918 بقيادة الاتحاد
الصهيوني الامريكي المؤتمر اليهودي
الامريكي American
Jewish Congress الذي ضم الصهيونيين
وغير الصهيونيين ممثلاً لثلاثة ملايين
من اليهود وطالب مؤتمر الصلح بإقرار وعد
بلفور والاعتراف بالحقوق التاريخية
لليهود في فلسطين وبجعل فلسطين "كومنولث
يهودي" تحت الوصاية البريطانية كما
قرر المؤتمر اليهودي هذا ارسال وفد
لمؤتمر الصلح للتعاون مع وفد المنظمة
الصهيونية بإشراف برانديس.
وفي
شباط (فبراير) 1919 وبعد التشاور بين
وايزمان وبلفور قدمت المنظمة الصهيونية
مذكرة الى مؤتمر الصلح في باريس بمطالب
المؤتمر الامريكي نفسها مع تحديد مفصل
للحدود الشمالية والشرقية ومما ذكرته
بالنسبة للحدود الشمالية ان جبل الشيخ هو
"ابو المياه" ويجب ان يكون بكامله
وكذلك "جميع مصادر" مياه نهر الاردن
والليطاني داخل حدود فلسطين اما الحدود
الشرقية فهي خط سكة الحديد الحجازي
جنوباً الى العقبة وذكرت المنظمة انها
كانت ميناء يهودية في ايام سليمان. ووقع
على المذكرة كل من سكولوف ووايزمان باسم
كل من المنظمة الصهيونية العالمية ويهود
فلسطين وسبعة يهود امريكيون عن المنظمة
الصهيونية الامريكية وممثل واحد عن يهود
روسيا. ومثل وايزمان وسكولوف امام
المؤتمر وطالب وايزمان بهجرة خمسة
ملايين يهودي واجابة عن سؤال من وزير
خارجية امريكا روبرت لانسينغ ولم يكن
متعاطفاً مع الصهيونية عن معنى عبارة "السكن
القومي" National
Home الواردة في وعد بلفور قال
وايزمان ان القصد ان تصبح فلسطين
تدريجياً يهودية كما انكلترا انكليزية
وامريكا امريكية. وحضر بلفور الجلسة
وارسل من يهنىء وايزمان بعدها على شهادته.
كان
لبريطانيا والصهيونية في هذه المرحلة
بالنسبة لفلسطين هدف واحد اساسي هو إضفاء
الشرعية الدولية على وعد بلفور وعلى بقاء
بريطانيا في فلسطين وذلك ضمن اطار
التسوية للشرق الاوسط التي يقرها مؤتمر
الصلح. وعلى رغم الهدف المشترك هذا لم تكن
وجهات نظر الطرفين دوماً متطابقتين كما
ظهرت دونه عقبات صعبة التذليل. اما
العقبات فأهمها اثنتان اولاهما ان ميثاق
عصبة الأمم الذي اقر نظام الانتداب في 28
حزيران (يونيو) 1919 عند التوقيع على معاهدة
فرساي استند في اقراره لهذا النظام الى
المادة 22 منه التي استندت بدورها الى
مبدأ تقرير المصير الذي اعلنه ويلسون ضمن
نقاطه الاربع عشرة. وعملاً بهذا المبدأ
وبتأثير من صديقه رئيس الجامعة
الامريكية في بيروت هاورد بليس وعلى رغم
تأييده لوعد بلفور سراً (بتأثير برانديس)
طالب ويلسون بإيفاد لجنة تمثل المؤتمر
الى الشرق الاوسط للاستفسار عن رغبات
اهالي البلاد واثر رفض فرنسا وبريطانيا
الاشتراك بهذه اللجنة اوفد ويلسون
صديقيه شارلز كرين وريتشارد كينغ في
حزيران 1919 الى الشرق الاوسط اللذين
انتقدا في تقريريهما الصهيونية انتقاداً
شديداً ونقلا رغبة اهالي البلاد في
الاستقلال اولاً واذا كان لا بد من وصاية
فلتكن وصاية امريكية مؤقتة وليست فرنسية
او بريطانية. لم
يسفر تقرير كينغ - كرين عن اية نتيجة بسبب
موجة الانعزالية العارمة التي اكتسحت
امريكا في اعقاب معاهدة فرساي ضد انضمام
امريكا الى عصبة الأمم وانهماك ويلسون
عبثاً في مجابهتها ثم اصابته بجلطة دموية
جعلته قعيداً وحدّت من نشاطه اعقبها فوز
وارن هاردينغ الانعزالي في انتخابات 1920
الرئاسية. والواقع
ان صنع القرار الامريكي بالنسبة لفلسطين
اتصف في هذه الفترة بصفات لازمته لاحقاً
والى الامس القريب من حيث الانفصام بين
سياسة البيت الابيض والكونغرس من جهة
وسياسة الخارجية من جهة ثانية وهو انفصام
التام في عهد رونالد ريغان وكمل التئامه
في عهد بيل كلينتون اليوم. فها
هو ويلسون يضطر عملاً بمبادئه الى ايفاد
لجنة كينغ كرين لكنه يتجاهل توصياتها
ويسعى بالخفاء لإصدار وعد بلفور عن طريق
مستشاره في البيت الابيض الكولونيل هاوس
من دون علم وزير خارجيته لانسينغ.
ولانسينغ يكتب لويلسون قبل وعد بلفور
وبعده ناصحاً بعدم تأييد الصهيونية ولا
يشير الى ارشاداته الى الوفد الامريكي
الى مؤتمر الصلح بالنسبة الى فلسطين او
وعد بلفور او اليهود. وألن دالاس (لاحقاً
رئيس ال سي. آي. آي) والمسؤول آنذاك عن
الشرق الاوسط في الخارجية يدعو علناً الى
عدم الرضوخ الى الضغوط الصهيونية بينما
تنجح هذه الضغوط في استصدار قرار
بالإجماع من الكونغرس الشديد الانعزالية
في ايلول (سبتمبر) 1922 بتأييد فحوى وعد
بلفور من دون ذكره تخصيصاً. اما
العقبة الثانية فكانت التطورات في
الساحة العربية من انعقاد المؤتمر
السوري في حزيران 1919 الى بيعة فيصل ملكاً
على سوريا ولبنان وفلسطين في آذار (مارس)
1920 الى معركة ميلسون ودخول الفرنسيين
دمشق وإخراجهم لفيصل منها في تموز (يوليو)
1920 الى دخول عبدالله شرق الاردن. ورافق
هذه الاحداث هيجان الشعب الفلسطيني ضد
الانباء عن وعد بلفور التي لم تجرؤ
بريطانيا اعلانه في البلاد الا في شباط
1920 فيعقب ذلك اشتباكات عربية يهودية
عنيفة في الجليل ويافا في شباط ونيسان 1920
وتكررت هذه الاشتباكات بالقدس في ايار (مايو)
1921 عقب تعيين هربرت صموئيل اياه اول
مندوب سامٍ بريطاني في فلسطين في تموز. ازاء
هذه التطورات تنقل المسؤولية عن الشرق
الاوسط من الخارجية البريطانية الى
وزارة المستعمرات ويتولاها وزير
المستعمرات ونستون تشرشل الذي يزور
المنطقة في ايار 1921 ويقرر في ما يقرر على
رغم صهيونيته اخراج شرق الاردن بحجة وجود
عبدالله فيها من نطاق تطبيق وعد بلفور
وبالتالي من الحدود الشرقية التي طالبت
المنظمة الصهيونية بها ويصبح نهر الاردن
ذاته حدود فلسطين الشرقية بالمفهوم
البريطاني الرسمي. خلال
هذه الاثناء تستمر المفاوضات البريطانية-الصهيونية
حول موقع وعد بلفور ووصاية بريطانيا له
من ضمن اطار التسوية النهائية المقرة من
قبل مؤتمر الصلح. وينعقد مؤتمر سان ريمو
في نيسان 1920 وتنهال عليه مئات البرقيات
من الاتحادات الصهيونية في العالم بما
فيها جنوب افريقيا وكندا مطالبة بمنح
بريطانيا الانتداب على فلسطين وإدراج
وعد بلفور في معاهدة الصلح مع تركيا. ويمنح
مؤتمر سان ريمو الانتداب على سورية
لفرنسا والانتداب على فلسطين لبريطانيا.
ومع ان هذا التطور كان من باب تحصيل
الحاصل بسبب غياب امريكا عن المؤتمر
وتمثيلها فيه بمراقب فحسب وخلو الساحة
للضبعين الكبيرين بريطانيا وفرنسا الا
انه شكل انجازاً مهماً للصهيونية على
دربها نحو الشرعية الدولية. وتأتي
الخطوة التالية على هذا الدرب في معاهدة
سيفر في آب (اغسطس) 1920 اذ تتخلى تركيا فيها
عن سيادتها على فلسطين وتتضمن نص وعد
بلفور والموافقة على تطبيق نظام
الانتداب عليها. ويبقى امام الطرفين
البريطاني والصهيوني الاتفاق على نص صك
الانتداب ذاته الذي يحدد غاية الانتداب
ذاته الذي يحدد غاية الانتداب وآليات
التنفيذ ومسؤوليات كل منهما ثم إقرار هذا
الصك من قبل عصبة الأمم. وتدوم
المفاوضات حول صك الانتداب من مؤتمر سان
ريمو نيسان 1920 لغاية تموز 1922 ويعيد الطرف
الصهيوني اثارة مطالب سبق ان طالب بها
قبيل اصدار وعد بلفور (برنامج 1916) وفي
مذكرته الى مؤتمر الصلح عام 1919 ويدور
النقاش حول نقاط اربع رئيسة: واصرّ
الطرف الصهيوني اصراراً شديداً على ان
تتضمن ديباجة صك الانتداب الاشارة الى
هذه العلاقة والى "الحق الذي تعطيه
للشعب اليهودي لاعادة تكوين فلسطين
مسكناً قومياً لهم" The
claim this gives them to reconstitute Palestine as their National Home.
وادعى وايزمان في مراسلاته مع اللورد
كيرزون خلف بلفور في وزارة الخارجية وغير
المتعاطف مع الصهيونية ان لا سبيل له
لحشد التأييد اليهودي لوعد بلفور من دون
الإقرار بهذه العلاقة. وعلق كيرزون على
ذلك في مذكرة الى رئيس الوزارة لويد جورج
بقوله ان سبب الاصرار على هذه العلاقة
انما هو "حتى تكون هذه الصياغة الاساس
عند كل مرحلة للمطالبة بحق الافضلية
بغاية السيطرة الكاملة على حكم البلد"،
لم يستمع لويد جورج الى نصيحة كيرزون
وبقيت الاشارة الى العلاقة التاريخية مع
تعديل ينص على انها "الاساس" Grounds
، "لإعادة تكوين مسكنهم القومي في
فلسطين". بالنسبة
لغاية الانتداب طالب الطرف الصهيوني ان
تكون صراحة "كومنولث يهودي" اي دولة
يهودية وهو تعبير رفضه كيرزون فاعادوا
"الكرة باقتراح" "كومنولث Self
Governing Commonwealth يتمتع بحكم ذاتي
كتعبير ملطف فرفض هذا ايضاً واصر الطرف
البريطاني على "تنمية مؤسسات الحكم
الذاتي" Development Of Self Governing Institutions.
واعتبر وايزمان ان هذا تعبير خطر معناه
إمكان "تنمية مؤسسة تمثيلية قبل ان
يصبح اليهود اكثرية في البلاد" لذلك
بعد رضوخه لكيرزون طالب بتطمينات شفهية
من لويد جورج يدعي انه حصل عليها وان لويد
جورج قال لونستون تشرشل وزير المستعمرات
بحضور وايزمان "يجب الا تمنح فلسطين
حكماً تمثيلياً" : You
Mustn’t Give Representative Government To Palestine.
بالنسبة لموقع المنظمة الصهيونية طالب
الطرف الصهيوني بالإعتراف بوكالة يهودية
Jewish Agency تمثل
جميع يهود العالم من صهيونيين وغير
صهيونيين على ان تعتبر المنظمة
الصهيونية هي هذه الوكالة الى حين قيام
الاخيرة وعلى ان يكون للوكالة / المنظمة
حق الافضلية Preferential Right
، في انشاء وادارة المنافع والمرافق
العامة وفي استغلال موارد البلاد
الطبيعية، رفض الطرف البريطاني حق
الافضلية لكنه وافق على الوكالة
اليهودية واعطاها صلاحيات مهمة سنأتي
لاحقاً على ذكرها. اما
بالنسبة للحدود فقد حسمت التطورات التي
ذكرنا على الساحة العربية مسألة الحدود
الشرقية ورفضت فرنساً رفضاً قاطعاً
الحدود الشمالية الصهيونية فأنقذت بذلك
الجنوب اللبناني من الاستيطان الصهيوني
طوال فترة الانتداب على لبنان وبعده.
وبهذه التعديلات اقرت عصبة الأمم صك
الانتداب في 24 تموز (يوليو) 1922 وأفضت على
البراءة (وعد بلفور) الشرعية بالمفهوم
القانوني الغربي الدولي السائد الى
يومنا هذا فسبحان الله. وشهدت
هذه المرحلة احداثاً جساماً داخل كل من
المنظمة الصهيونية ذاتها وداخل الجالية
اليهودية في فلسطين اما بالنسبة للمنظمة
فقد انفجر الخلاف عام 1920 في القمة بين
عملاقيها وايزمان وبرانديس حليفي الامس
اللذين التقيا للمرة الاولى في تموز 1919. وسبب
الخلاف قضيتان جوهريتان الاولى: تقييم
دور العمل السياسي الصهيوني بعد وعد
بلفور ومؤتمر سان ريمو. والثانية: ادارة
"صندوق تأسيس فلسطين" Kerren
Hayesod برأس مال 25 مليون جنيه
قرره مؤتمر لندن London Conference
، الصهيوني عام 1920 الذي كرس رئاسة
وايزمان للمنظمة الصهيونية وانتخب
برانديس رئيساً فخرياً لها الذي سبق
انعقاد المؤتمر Congress
الصهيوني الثاني عشر في كارل
سباد وهو اول مؤتمر Congress يعقد
بعد انتهاء الحرب.
خلاصة
الامر ان برانديس رأى بان وعد بلفور
ومؤتمر سان ريمو انهيا دور المنظمة
الصهيونية السياسي وان العمل السياسي
مستقبلاً يجب ان يناط بالجالية اليهودية
في فلسطين ضمن اطار الانتداب وهو رأي
رفضه وايزمان بشدة متناهية معتبراً ان
وعد بلفور وسان ريمو ان هما بالعكس الا
بداية العمس السياسي المكثف والدؤوب
للمنظمة الذي من دونه لا امل بتحقيق
الدولة اليهودية اطلاقاً. اما بالنسبة
الى صندوق التأسيس فرأى برانديس انه يجب
ان يخضع في كل بلد الى الاتحاد الصهيوني
للبلد ذاته وليس للسلطة المركزية للجنة
المنظمة التنفيذية. ورفض وايزمان هذا
الرأي بشدة لا تقل عن رفض لرأي برانديس
الاول ونقل المعركة الى داخل معقل
برانديس في الولايات المتحدة وانتصر
عليه فأمن بذلك حفاظ اللجنة التنفيذية
على موارد الصندوق التأسيس التي كان
معظمها امريكي المصدر. اما
التطورات داخل الجالية اليهودية في
فلسطين في هذه المرحلة فأهمها نمو الحركة
العمالية الاشتراكية القومية بقيادة بن
غوريون الذي سبق ذكره نتيجة موجة الهجرة
الثالثة (1919-1923) منذ بدء الاستيطان
والاولى تحت الحماية البريطانية التي
ادخلت الى البلاد 35,000 مهاجر وكان معظمهم
من اعضاء حركة الشبيبة الرواد Halutzim
، الذين عملوا في المستعمرات التعاونية
الجماعية Kibbutz
والتحقوا بحزب "وحدة العمل"
Ahdut Avoda الذي اسسه بن
غوريون عام 1920 حول نواة حزب "باعولي
زيون" القائم. وفي السنة ذاتها تأسس
"الاتحاد العام للعمال اليهود" (الهستدروت)
بمساهمة بن غوريون ايضاً كما تأسست
المنظمة العسكرية الصهيونية "الهاغانا"
التي كانت على صلة وثيقة بكل من "الاتحاد
العام للعمال" و"حزب وحدة العمل".
المرحلة
الثانية: إرساء قواعد الدولة (1922-1947) وكان
عدد سكان فلسطين من اليهود في نهاية
الحرب الكونية الاولى 56 الفاً توزعوا بين
المدن الرئيسية (القدس، يافا، تل ابيب،
حيفا، صفد وطبريا) وفي حوالى 50 مستعمرة
زراعية وكانت نسبتهم من مجموع سكان
البلاد (حوالى 750,000) اقل من 10 في المئة
وارتفع عدد اليهود خلال الانتداب
البريطاني الى 608,000 عام 1946 وزاد عدد
المستعمرات الى 259 مستعمرة فأصبحت نسبتهم
من مجموع سكان البلاد (1,912,000) اكثر من 31 في
المئة. وعاد 74 في المئة من زيادة اليهود
الى الهجرة و26 في المئة فقط الى النمو
الطبيعي بينما عاد 96 في المئة من زيادة
السكان العرب الى النمو الطبيعي و4 في
المئة فقط الى الهجرة. ونمت
بسبب هذه الهجرة الجاليات اليهودية في
المدن فارتفع عدد سكان تل ابيب من اليهود
من 15,000 عام 1922 الى 166,000 عام 1944، وسكان حيفا
من 6,000 (1922) الى 66,000 (1944)، وسكان القدس من
62,000 (1922) الى 97,000 (1944). وارتفع
سكان المستعمرات من حوالى 5,000 (عام 1918) الى
144,000 (1944) وجاءت اعلى نسبة من المهاجرين
اليهود من بولونيا لغاية 1938 عندما زادت
نسبة المهاجرين من المانيا اليها. وبلغ
مجموع ما تملكه اليهود من اراضي فلسطين
في اوائل الثمانينات من القرن الماضي
ولغاية اندلاع الحرب الكونية الاولى (1914)
420,600 دونم اي 1,5 في المئة من مساحة فلسطين
(27 مليون دونم) وزادت ملكية اليهود عام 1946
الى 1,624,000 دونم اي الى 6 في المئة فقط من
مساحة فلسطين. لكن خطورة ملكية الـ 6 في
المئة لم تكن في حجم الاراضي بل في
مواقعها ونمط انتشارها وفي تنظيمها
والغاية من اقتنائها. فالمستعمرات كانت
بمثابة التخوم تحدد حدود الدولة
المنتظرة وانتشارها وتتبع خطة سابقة
التصميم وضعها قبل الحرب الكونية الاولى
كما اسلفنا "مهندس" الاستيطان
الصهيوني اليهودي البروسي ارثور روبين. وتهدف
الخطة الى السيطرة العسكرية المستقبلية
على الحد الادنى من الاراضي المتاخمة
لبعضها البعض الكافية لتأمين قيام كيان
سياسي عليها قادر على اتخاذها منطلقاً
للتوسع خارجها، وكل من ينظر ببعض العناية
الى خرائط تطور نمو المستعمرات في فلسطين
قبل الحرب الكونية الاولى واثناء
الانتداب لا يسعه الا ان يلاحظ ان
انتشارها يتبع شكل حرب النون N
بالانكليزية اذ يشكل الضلع
الايسر الاستيطان الساحلي بين يافا
وحيفا والضلع الايمن الاستيطان بين
بحيرة طبريا واعالي حوض الاردن والضلع
الاوسط الاستيطان عبر السهل الداخلي (مرج
ابن عامر) الرابط بين الضلعين الآخرين.
والحكمة في هذا كله تكمن في ان الاستيطان
الساحلي يؤمن الاتصال بالخارج عبر
البحار واستيطان اعالي نهر الاردن يهدف
الى السيطرة على موارد مياهه بينما
الاستيطان البيني لا يربط بين الضلعين
الاخرين فحسب بل ايضاً يفصل شمال فلسطين (الجليل)
عن سائر البلاد كما يتحكم عند طرفه
الشرقي بـ"البوابة" الشرقية
لفلسطين عند بدء مرج ابن عامر.
ومما
يجعل ايضاً النوع اكثر خطورة من الكم في
الاستيطان الصهيوني لفلسطين خلال هذه
المرحلة الزمنية ان معظم المستعمرات
خلال الانتداب البريطاني اقيمت على
اراضي "الصندوق القومي اليهودي" (الكيرين
كايميت) الذي انشأه هرتزل عام 1901 وبتمويل
من "صندوق تأسيس فلسطين" (الكيرين
هايسود) الذي انشأه وايزمان عام 1920 بعد
صراعه مع برانديس فكان الصندوق القومي
يعتبر كل اراضيه كما اسلفنا ملكاً ابدياً
للشعب اليهودي يؤجرها حصراً لليهود دون
مقابل للسنوات الخمس الاولى وبعدها
بشروط متناهية السهولة، بينما كان صندوق
التأسيس يقدم القروض الطويلة الاجل
بفائدة 2 في المئة لفترة 40-50 سنة لاعمال
الانشاء والبناء. وزادت ملكية الصندوق
القومي من 16,000 دونم عام 1914 الى حوالى نصف
الاراضي اليهودية في فلسطين البالغة
1,624,000 دونم عام 1946 اما صندوق التأسيس فقد
موّل تأسيس 25 مستعمرة عام 1922 زادت الى 76
مستعمرة عام 1936 والى 153 مستعمرة عام 1944
فكانت نسبة المستعمرات التي مولها الى
مجموع مستعمرات فترة الانتداب حوالى 60 في
المئة. وهكذا
ارتبطت هذه المستعمرات وارتبط سكانها
ومصالحهم وولاؤهم بسلطة المنظمة
الصهيونية المركزية من ناحية كما ارتبطت
من ناحية اخرى بكل من الهستدروت (الاتحاد
العام للعمال) عبر تعاونياته وبتنظيمه
العسكري "الهاغانا". سنكتفي
بذكر بعض ملامح الدولة الكامنة في
المجتمع اليهودي المتنامي في فلسطين
اثناء الانتداب البريطاني فمن حيث
البنية الاقتصادية الاجتماعية الاساسية
وبسبب نوعية المهاجرين الثقافية وتوفر
رأس المال الخارجي اتخذ المجتمع بنية
المجتمعات الصناعية الغربية. فنسبة
انتاج اليهود في قطاع الصناعة والتعدين
والبناء عام 1947 من مجموع انتاجهم كانت 37
في المئة وقريبة من نسبة الانتاج في هذا
القطاع في بريطانيا (44 في المئة) بينما
نسبة انتاج العرب الفلسطينيين في هذا
القطاع كانت 14 في المئة وكانت نسبة انتاج
اليهود في قطاع الزراعة لا تتعدى 12 في
المئة بينما نسبة العرب فيها كانت 41 في
المئة وعمل 10 في المئة الطبقة العاملة
اليهودية في الزراعة و 31 في المئة في
الصناعة والبناء بينما نسبة العرب كانت 50
في المئة في الزراعة و11 في المئة في
الصناعة والبناء وبلغ معدل دخل الفرد
اليهودي 141 جنيهاً مقابل 50 جنيهاً للفرد
العربي. اما
في حقل الخدمات الاجتماعية فكان حضور
الطلاب في سني 5-14 المدارس بنسبة 97 في
المئة لليهود و32,5 للعرب وكان لدى اليهود
33 مدرسة فنية وزراعية مقابل 6 مدارس عربية.
وبلغ ما انفقته الحكومة الانتدابية على
الصحة عام 1944 (وكان اعتماد العرب في معظمه
على الخدمات الحكومية في هذا المجال) نصف
مليون جنيه بينما بلغ ما انفقه صندوق
الصحة في الاتحاد العام للعمال اليهود
"الهستدروت" لوحده في هذا العام
مليون ومئتي الف جنيه وكان لدى
الفلسطينيين 125 جمعية اقراض Credit
قروية تعاونية عضويتها 6000
ورصيدها 27,000 جنيه بينما كانت عضوية
اليهود في الجمعيات التعاونية 355 الفاً
ورصيدها عشرة ملايين جنيه وبلغت عام 1946
ودائع اليهود في البنوك وجمعيات الإقراض
التعاونية 77 مليون جنيه مقابل 18 مليون
جنيه للعرب.
ولم
يزد عدد العمال العرب المنتظمين في
نقابات لهم عام 1945 على 20,000 عامل بينما ضم
"الهستدروت" 143,000 عامل من الراشدين
بما فيهم 38,000 امرأة كما ضم 8,500 من الشبيبة
العمالية وشكلت عضوية الهستدروت 75 في
المئة من مجموع اجراء اليهود ولم يكن "الهستدروت"
اتحاد عمال بالمعنى العادي فكانت شركة
قابضة عملاقة تفرعت عنها شبكة عجيبة من
النشاطات العمالية والزراعية والتجارية
والاقتصادية والثقافية والصحية في كل
مجال من مجالات حياة المجتمع اليهودي
وكانت ذات علاقة حميمة بـ 200 مستعمرة عبر
تعاونياتها الزراعية كما كانت وثيقة
الصلة بمنظمة "الهاغانا" العسكرية
واشرفت على الهستدروت هيئة تنتخب من قبل
القاعدة الشعبية وتعكس انتماءات اعضائها
الحزبية وكان ديفيد بن غوريون امينها
العام من 1921 الى 1935 اما تمويل نشاطاتها
فكان معظمه يرد من الخارج عبر المنظمة
الصهيونية العالمية. وتميز
المجتمع اليهودي في فلسطين ايام
الانتداب بتنظيمه السياسي وكانت الحكومة
البريطانية اصدرت عام 1926 "مرسوم
الجاليات الدينية" التي اذنت به
للجاليات في فلسطين ان تنظم نفسها بموجبه
ورفض الفلسطينيون العرب من حيث المبدأ ان
ينتظموا في طائفتين: اسلامية ومسيحية ولم
يشكل المرسوم اي حرج لليهود الذين سارعوا
الى تنظيم انفسهم بموجبه فانتخبوا
مجلساً عاماً Va’ad
Leumi انتخب بدوره لجنة تنفيذية
مثلت يهود فلسطين تجاه حكومة الانتداب
وخول المجلس العام جباية الضرائب من
طائفته التي انفقها على الخدمات
الاجتماعية لها.
لكن
مركز السلطة اليهودية لم يكن هذا المجلس
العام المحلي على اهميته المستند الى
تشريع سلطة الانتداب في فلسطين بل كان
الوكالة اليهودية Jewish
Agency التي نص عليها صك الانتداب
ذاته ومنحت المادة الرابعة من الصك
الوكالة حق "النصح والتعاون" Advising
and cooperating مع ادارة فلسطين في
"الشؤون الاقتصادية والاجتماعية
وغيرها من الشؤون التي قد تؤثر في تنمية
المسكن القومي اليهودي" كما نصت
المادة السادسة منه على ان على الادارة
البريطانية، بالتعاون مع الوكالة
اليهودية… تشجيع استيطان اليهود المكثف
على اراضي فلسطين" close settlement… on the
land.
وهكذا كانت الوكالة شريكاً فعلياً
للادارة البريطانية، على ان الاهم حتى من
هذا وذاك هو انه بموجب صك الانتداب ايضاً
كان على الوكالة "ان تضمن تعاون جميع
اليهود الراغبين في المساعدة في انشاء
المسكن القومي اليهودي" اي انها كان
لها صفة دولية قانونية رسمية تشمل العالم
بأسره. اعترفت
الحكومة البريطانية بالمنظمة الصهيونية
على انها الوكالة الى حين قيام الوكالة،
ذلك ان الوكالة كان من المفترض فيها ان
تضم كلاً من اليهود الصهيونين وغير
الصهيونيين ورسمياً تأسست الوكالة بهذا
المعنى عام 1929 وطغت الصفة الدولية طبعاً
على المنظمة الصهيونية ذاتها منذ
البداية. ففي 1897 لم يزد عدد الاعضاء
اليهود الفلسطينيين في المؤتمر الصهيوني
الاول عن الاربعة من اصل 196 عضواً وحتى
عام 1939 في آخر مؤتمر صهيوني قبل الحرب
العالمية الثانية (وهو المؤتمر الواحد
والعشرون المنعقد في جنيف) كانت نسبة
دافعي "الشاقل" للتصويت في المؤتمر
من يهود فلسطين 16 في المئة وتبين الارقام
الاتية سعة القاعدة الدولية للمنظمة
الصهيونية. فمن اصل 1,040,450 دافع شاقل
لمؤتمر 1939 كان 299,165 من بولندا و 263,741 من
الولايات المتحدة و 167,562 من فلسطين و 60,013
من رومانيا و 23,513 من بريطانيا و 22,343 من
جنوب افريقيا و 15,220 من كندا… الخ. وكان
مكتب الوكالة التنفيذي في القدس ولها
مكاتب في كل من لندن وواشنطن ونيويورك
وجنيف وكانت لها دوائر لكل من الاستيطان
والشؤون المالية، والعمل، والتجارة
والصناعة، والشؤون السياسية و(بصفة سرية)
الامن اي شؤون "الهاغانا" وكانت
تعمل بجانب "المجلس العام" المنتخب
المحلي Va’ad
Leumi وتدعمه تجاه السلطة
البريطانية لكن خلافاً لهذا المجلس لم
تكن لا الوكالة ولا المنظمة الصهيونية
خاضعة لسلطة الانتداب بل كانتا رقيبتين
عليها وذلك باعتراف دولي.
وكان
للمنظمة الصهيونية / الوكالة اليهودية
ثلاث وظائف رئيسة اولها الضغط على
المراكز العصبية لصنع القرار في لندن
مباشرة وعليها في العواصم الغربية
الاخرى الكبرى كوسيلة للضغط غير المباشر
على لندن، وثانيها الجباية لمؤسساتها
المالية المركزية الكبرى وبخاصة "الصندوق
اليهودي القومي" و"صندوق تأسيس
فلسطين" الكيرين هايسود، وثالثها
الدعاية الملحة المتصلة والمتنوعة لدعم
الوظيفتين الاوليين، وبلغ ما ارسلته
المنظمة الصهيونية الى يهود فلسطين من
يهود الولايات المتحدة فقط بين 1930 و1948 (396
مليون دولار) وهو مبلغ ضخم جداً بمقاييس
ذلك الزمن. فاذا
اضفنا الى كل ما سبق تنظيم الهاغانا
العسكري التابع للمنظمة الصهيونية الذي
سنتناوله لتونا ندرك متانة القواعد التي
كان قد تم ارساءها في هذه المرحلة بفضل
قيادة وايزمان ومن ثم بن غوريون الذي حل
عملياً محله منذ اواسط الثلاثينات لقيام
الدولة في المجتمع اليهودي في فلسطين
ايام الانتداب البريطاني عشية توصية
الأمم المتحدة بتقسيم البلاد في 29 تشرين
الثاني (نوفمبر) 1947.
المرحلة
الثالثة (1948) قيام الدولة بالحرب وليس
الغرض من هذا الفصل وصف القتال في هاتين
المرحلتين فلهذا وقت ومجال غير هذا انما
الغرض من هذا الفصل هو تفحص الرواية
الصهيونية لاسباب وقوع هذه الحرب
الصهيونية العربية الاولى وهي رواية
تجذرت في ضمير اليهودية العالمية
وبالتالي في الضمير الغربي. تقول
الرواية الصهيونية ان الحرب قامت بسبب
رفض العرب من فلسطينيين وغير فلسطينيين
لقرار هيئة الأمم بالتوصية بـ "حل وسط"
Compromise بتقسيم
فلسطين الى دولتين احداهما يهودية
والاخرى عربية ومقاومتهم المسلحة لهذا
الحل ما اضطر الدولة اليهودية ان تخوضها
دفاعاً عن نفسها وبكلمة فان فحوى الرواية
الصهيونية ان الطرف العربي هو المعتدي
البادىء والطرف الصهيوني هو المعتدى
عليه البريء.
والحقيقة
في نظرنا هي على خلاف كلي مع الرواية
الصهيونية ذلك ان التقسيم لم يكن حلاً
وسطاً بأي مفهوم عادل ومعتمد لهذا
التعبير. فالحل الوسط بالمصطلح الاخلاقي
وحتى اللغوي يعطي كل ذي حق حقه، يحافظ على
جوهر حقوق كل طرف في النزاع القائم،
ويقيم التوازن بين تنازلات كل منهما، وهو
لا يعطي طرفاً ما ليس له على حساب الطرف
الاخر ويصدر غالباً عن طرف محايد حريص
على مصلحة الطرفين المتنازعين تم
الاحتكام اليه والقبول المسبق بحكمه
بالتراضي ويتم الاقرار بهذا الحكم من قبل
المتنازعين ولو على شيء من المضض
المتساوي بينهما. فأين هذا المفهوم للحل
الوسط من مبدأ التقسيم (اي قيام دولة
يهودية قسراً على جزء كبير او صغير من
فلسطين) في سياق تاريخ القضية الفلسطينية
منذ ظهور الصهيونية واينه من اسلوب طرح
التقسيم على هيئة الأمم عام 1947 وتوقيته
ومن تفاصيل التقسيم التي اقرتها هيئة
الأمم بل ومن الطريقة التي انتزعت بها
الولايات المتحدة القرار به منها ناهيك
عن الابتهاج الذي وصل سمت الرأس عند طرف
لدى سماعه به وعن الغضب العارم الذي
استولى على الطرف الاخر منه. فمبدأ
الدولة اليهودية غاية الصهيونية
ومبتغاها وهو مبرر وجودها من قبل المؤتمر
الصهيوني الاول ومن بعده ونجمها القطبي
الذي اهتدت بهديه في كل كلمة صيغت
لتغليفه وتمويهه ان في برنامج بازل (1897)
او وعد بلفور (1917) او صك الانتداب (1922)
والصهيونية لم تلجأ الى التغليف
والتمويه الا لخداع فريستها الشعب
الفلسطيني الذي تعرف مبكراً على الساعي
لاغتياله فيها وذلك بالتواطؤ مع راعيها
وحاميها بريطانيا المنتدبة لريثما يشتد
ساعدها وتتجمع لديها عناصر القوة
اللازمة وترسى القواعد الثابتة لقيام
الدولة اليهودية وهو الذي تم خلال
الانتداب البريطاني كما اسلفنا. ولم
ينص قرار التقسيم الصادر عن هيئة الامم
عام 1947 على ان يحتفظ كل طرف بما لديه من
الاراضي بل "منح" الطرف الصهيوني
الذي كان لا يملك اكثر من 6 في المئة من
مساحة البلاد منحه 57 في المئة منها
فبينما كانت ملكية اليهود لا تتعدى 1,624,000
دونم قبل قرار التقسيم وذلك على رغم كل ما
بذلته الصهيونية خلال ستة عقود منذ مطلع
الثمانينات من القرن الماضي من جهد ومال
وتخطيط وتحايل وحشد وضغوط سياسية ودعاية
عالمية غدت مساحة الدولة اليهودية بعد
قرار التقسيم 15 مليون دونم اي انه بين
عشية 29 وضحى 30 تشرين الثاني (نوفمبر) 1947
قفزت "ملكية" اليهود اكثر من 900 في
المئة وذلك لاعتبارات سياسية لا تمت بصلة
لا من قريب ولا من بعيد الى اي قيم او
قواعد قانونية او خلقية. لم
يحدد قرار التقسيم الكيفية التي ستمتد
بها سلطة الدولة اليهودية من حيز مساحته
1,624,000 دونم الى حيز مساحته 15 مليون دونم
يقطنه ويملكه العرب الفلسطينيون لكن
الدول الاعضاء التي كانت وراء القرار
بطلب وبضغوط هائلة من الصهيونية وعلى
رأسها الولايات المتحدة كانت تعلم علم
اليقين ان القيادة الصهيونية مصممة على
تحقيق التقسيم بالقوة وان العرب يرفضون
ذلك رفضاً باتاً ومصممون على الدفاع عن
ديارهم، وهكذا كان قرار التقسيم بمثابة
الضوء الاخضر للقوات الصهيونية للقيام
باحتلال الحيز العربي الواسع والآهل
بالعرب الذي ضم اعتباطاً وتعسفاً ومن دون
سابق اقرار من العرب الى حدود الدولة
اليهودية المقترحة فكان قرار التقسيم
بالتالي نفسه قراراً بإعلان الحرب على
العرب بالتواطؤ مع المنظمة الصهيونية
ونيابة عنها . قرار
الحرب الصهيوني لم يؤخذ عام 1947 لا قبيل
قرار التقسيم ولا بعيده لكنه ينبع نظرياً
من صميم العقيدة الصهيونية من حيث انها
محررة منذ البدء وبطبيعتها من قيد
الاعتماد على الرض او القبول العربي
المسبق لها او لسياساتها وكما قال حاييم
وايزمان الى الرئيس الامريكي فرانكلين
روزفلت عام 1944 "شرحت له نظريتي بانه لا
يمكننا ان نربط قضايانا بقبول العرب ونحن
لو فعلنا لحجبوا عنا قبولهم". ولعل من
ابلغ الادلة على تجاهل الصهيونية لرفض
العرب او قبولهم لجوئها المتوال الفوقي
الى الدول الكبرى للاستحصال لى "براءتها"
المنشودة. ويمكننا
تتبع بلورة قرار الحرب في ذهن الزعيم
الصهيوني ديفيد بن غوريون قبل قرار
التقسيم باكثر من عشر سنوات ذلك ان بن
غوريون هو الذي اخذ هذا القرار وهو الذي
اشرف على التخطيط والاعداد للحرب من
اواسط الثلاثينات بصفته رئيس اللجنة
التنفيذية للوكالة اليهودية (1935-1948)
والمسؤول عن شؤون الأمن. وفي
عام 1920 اسس بن غوريون حزب "وحدة العمل"
(احدوت افودا) الاشتراكي القومي وفي عام
1930 اشرف على دمج الحزب بحزب "العامل
الشاب" (هابوعيل هاتسعير) ليؤلفا حزب
"الماباي" الذي قاده وبقي العمود
الفقري السياسي للوكالة اليهودية لغاية
قيام دولة "اسرائيل" ولوزاراتها
المتعاقبة بعدئذٍ لغاية انتصار حزب "الليكود"
بقيادة مناحيم بيغن على "الماباي"
في انتخابات "اسرائيل" النيابية عام
1977. ودعا برنامج حزب "وحدة العمل"
الى "تأسيس الجمهورية الاشتراكية
اليهودية في جميع انحاء فلسطين والى نقل
ملكية اراضي فلسطين ومياهها ومواردها
الطبيعية الى شعب "اسرائيل" لتصبح
ملكاً ابدياً له"، كما دعا حزب "العامل
الشاب" منذ تأسيسه عام 1905 الى السيطرة Conquest
على العمل العبري اي منع
العمال العرب بالقوة من العمل على
الاراضي اليهودية وبهذه الخلفية
الحزبيةومن موقع المسؤولية في لجنة
الوكالة اليهودية التنفيذية اخذ بن
غوريون يفكر بعمق في مستقبل "العلاقة"
بين الحركة الصهيونية والفلسطينيين وفي
توازن القوى بينهما، فوصل الى قناعة
ثابتة في اوائل 1936 كما يجزم بذلك شبتاي
تيفيث Tevech كبير
الخبراء الاسرائيليين في سيرة بن غوريون
وسياساته، بان لا امل في السلام مع
الفلسطينيين ما داموا يرفضون قيام
اكثرية يهودية في البلاد ولا يقبلون
بهجرة يهودية غير مقيدة اليها وان لا بد
من ان تكون العلاقة المستقبلية معهم
علاقة عسكرية وليس سياسية. ويضيف تيفيث
ان هذا الاستنتاج لم يكن مصدر غم او كدر
لت بن غوريون بل بالعكس كان قد وصل في
الوقت نفسه الى قناعة ثانية وهي ان
الحركة الصهيونية قد اجتازت مرحلة الخطر
في ميزان القوى مع الفلسطينيين بسبب تدفق
الهجرة اليهودية على البلاد في السنين
الخمسة السالفة حين تضاعفت الجالية
اليهودية عدداً فوصلت الى 355,157 سنة 1935
بينما لم تتعد 164,950 سنة 1930. ويؤكد تيفيث ان
لهذا السبب لم يعد بن غوريون مهتماً باي
اتصالات مع الفلسطينيين التي كان قد
بدأها قبل 1936 وانه لم يسعَ الى مقابلة اي
فلسطين بين 1936 وقيام الدولة اليهودية عام
1948.
ويشكل
مشروع التقسيم للجنة الملكية البريطانية
برئاسة اللورد بيل Peel
الذي صدر في تموز (يوليو) 1937 في
اعقاب المرحلة الاولى من الثورة
الفلسطينية الكبرى (1936-1939) منعطفاً
خطيراً اخراً بالنسبة للقضية الفلسطينية
والحركة الصهيونية ولبلورة تفكير بن
غوريون الاستراتيجي. فهذه المرة الاولى
منذ وعد بلفور التي يدعو فيها طرف
بريطاني رسمي الى اقامة دولة يهودية
مترجماً الوعد اياه الى دولة كما تدعو
اللجنة الملكية الى الهجرة القسرية ( Compulsory
Transfer)
للجاليات العربية من الدولة اليهودية
والى ضم المناطق العربية الى شرق الاردن.
وتنفجر الثورة الفلسطينية ثانية في
اعقاب صدور تقرير التقسيم لتصل الى
ذروتها في السنتين (1937-1939) وينعقد المؤتمر
الصهيوني العشرون في زوريخ عام 1937 ويلقى
تقرير التقسيم معارضة شديدة بخاصة من
الاعضاء الامريكيين من حيث المبدأ لكونه
يتضمن التخلي عن كل "ارض اسرائيل"
والقبول بجزء منها فقط ويتزعم بن غوريون
الرأي بقبوله مشروطاً ويلقي فيما يقوله
في حينه اضواء كاشفة على نظرته الى مشروع
التقسيم عام 1947 الذي نحن بصدده. ففي
تموز 1937 يقول في رسالة الى زعيم صهيوني
بولندي "الدولة هي خطوة اولى نحو الحل
الشامل للشعب اليهودي وأداة جبارة
لتحرير جميع ارض اسرائيل"ز وفي خطاب
لحزب "الماباي" في تشرين الاول (اكتوبر)
1937 يقول "ان تحقيق الدولة اليهودية يمر
في مرحلتين الاولى مرحلة البناء وارساء
القواعد وتستمر من عشر الى خمس عشرة سنة
وهي مقدمة الى المرحلة الثانية التي هي
مرحلة التوسع ( Expansion).
وغاية المرحلتين تجميع المنفيين ( exiles)
من الشتات في جميع ارض اسرائيل". ويقول
في رسالة الى اولاده في تشرين الاول 1938
"ان قيام الدولة في جزء من فلسطين ليس
غاية الصهيونية النهائية بل وسيلة
باتجاهها". ويقول تيفيث انه حتى قبل
تقرير اللجنة الملكية وبدءاً بنهاية
العشرينات كان بن غوريون يصف نفسه بانه
يمارس "الصهيونية العميقة" ( Deep
Zionism)
وان "المبتدئين" في الصهيونية لا
يفهمون استراتيجية "المراحل" وان
الظروف غير المؤاتية تقتضي صياغة اهداف
تبدو لهؤلاء المبتدئين على انها تنازلات
وهي ليست كذلك. اما
بشأن توصية اللجنة الملكية بالتهجير
القسري للفلسطينيين من الدولة اليهودية
فيعلق عليها بن غوريون عام 1937 بقوله: "من
المؤكد ان بريطانيا لن تقوم بذلك اذا لم
نصرّ عليه بكل ما اوتينا من قوة ونفوذ
واذا لم يتم هذا الامر بسبب تقاعسنا
فإننا سنخسر فرصة لم تسنح لنا من قبل وقد
لا تعود لنا ثانية ابداً". ويستطرد بن
غوريون بقوله "يجب ان ننتزع من قلوبنا
الافتراض بان هذا الامر (يعني التهجير
القسري) مستحيل بل هو ممكن والخطوة
الحاسمة الاولى هي ان نعد انفسنا لتوليه
بأنفسنا". ولم يكتفِ بن غوريون
بالتعليق على تقرير التقسيم لكنه كلف عام
1937 ضابطاً كبيراً في "الهاغانا"
باسم افنير ( AVNER)
بوضع
خطة لاحتلال فلسطين كلها على ثلاث مراحل
في حال انسحاب البريطانيين من البلاد. طبعاً
لم ينسحب البريطانيون في حينه من فلسطين
بل عدلوا عن مشروع التقسيم بسبب اشتداد
الثورة الفلسطينية ودعوا الى مؤتمر في
لندن عام 1939 صدر كتاب ابيض في اعقابه يحدد
الهجرة اليهودية وانتقال الاراضي وينص
على استقلال فلسطين دولة موحدة ضمن فترة
عشر سنوات شرط اتفاق الطرفين
الفلسطينيين واليهود ولا شك في ان الكتاب
الابيض هذا جاء نتيجة تلبد الاجاء
الدولية واقتراب موعد اندلاع الحرب
العالمية الثانية. ادت
المجابهة العسكرية بين الفلسطينيين
وبريطانيا خلال الاعوام 36-39 الى توسيع
الهوة في توازن القوى بين الفلسطينيين
والصهيونيين لصالح الاخيرين فحطمت
بريطانيا القوة العسكرية والتنظيمات
السياسية الفلسطينية خلالها من ناحية
بالمقابل وبالتعاون مع بن غوريون ضاعفت
القوة العسكرية الصهيونية بإنشاء وتدريب
وتسليح قوة يهودية رسمية رديفة للهاغانا
اطلقت عليها اسم "شرطة المستعمرات
اليهودية" Jewish
Settlement Police قوامها 20,000 مسلح
اضيفت الى الهاغانا "غير الرسمية"
وقوامها 25,000 مسلح فأصبح لدى بن غوريون
جيش قلما توفر لليهود مثله من قبل قادر
على تولي العلاقة "العسكرية" مع
الفلسطينيين ومع الدول العربية.
فها
هو بن غوريون يجتمع بمالكولم مكدونلد
وزير المستعمرات البريطاني في شباط (فبراير)
1939 فيسأله الاخير "الى متى تعتقدون
اننا سنضع حرابنا تحت تصرف هجرتكم الى
فلسطين؟" فيجيبه بن غوريون "لسنا
بحاجة الى حرابكم". فيقول مكدونلد "وكيف
يكون هذا؟ هم اكثر منكم عدداً وسيأتي
لنجدتهم جيش عربي من العراق". فيجيب بن
غوريون "ان اجتياز البحر اسهل من
اجتياز الصحراء". غضب
بن غوريون غضباً شديداً على سياسة الكتاب
الابيض لكنه ادرك ان مصلحة الصهيونية هي
في انتصار بريطانيا على المانيا كما ادرك
اهمية القتال بجانب بريطانيا بالنسبة
"للعلاقة العسكرية" مع العرب بعد
الحرب فدفع بشبابه للانخراط في الجيش
البريطاني فانخرط منهم خلال السنوات
1939-1945 (27,000) حصلوا على احسن خبرة وتدريب
فازداد الصهيونيون بهم قوة على قوة. في
الوقت نفسه ادرك بن غوريون ان الكتاب
الابيض مؤشر لانحسار التأييد البريطاني
للصهيونية وان القوة العالمية الصاعدة
هي الولايات المتحدة وان لدى الصهيونية
امكانات ضخمة هناك قابلة للتعبئة فانتقل
اليها ونظم في ايار 1941 انعقاد مؤتمر
يهودي في فندق ييلتمور في نيويورك استحصل
منه على قرار بـ"انشاء فلسطين
كومنولثاً يهودياً" وهي الصيغة التي
اقترحتها المنظمة الصهيونية على
بريطانيا بعد مؤتمر سان ريمو 1920 عند
بداية المفاوضات حول صك الانتداب
ورفضتها بريطانيا في حينه كما اسلفنا.
وهكذا الزم بن غوريون يهود امريكا بإنشاء
الدولة اليهودية وفق مخططه هو في جميع
انحاء فلسطين وليس في جزء منها بعد
انتهاء الحرب العالمية الثانية. حتى قبيل مؤتمر بيلتمور كان بن غوريون طلب من الهاغانا بوضع خطط عسكرية لمواجهة سيناريوهات عدة تأخذ في الاعتبار درجات م |