حرب بيروت 

 لقد تحررنا من عقدة الذنب , فقد فعل الإسرائيليون بالعرب في لبنان أكثر مما فعله النازي بهم 

بيتر هانز - مدير تحرير مجلة شترو الالمانية

 

جاء المغتصبون بكل ماعندهم من أسلحة الموت والدمار .. ثماني فرق مدرعة (90 ألف جندي) شاركت في المذبحة التي وقف العالم كله أمامها في ذهول هل يمكن ان يحدث هذا في القرن العشرين ... بلد يذبحون اهله , وتمضي الاسابيع الطويلة قبل ان يستقظ الضمير العالمي وتمتد الاصابع ولكن من بعيد , لتقول لهم كفّوا , فهذه ليست معركة ضد المقاتلين الفلسطينين كما تزعمون , ولكنها حرب إبادة .

وكان للصحافة (( الغربية )) الفضل الاول في فضح أبعاد المجزرة البشرية , وهي تنقل صور الأطفال والنساء والشيوخ الذين إحترقوا بقنابل إسرائيل حتى الموت ... فقد كان مراسلوها في لبنان كله منذ اليوم الأول للجريمة المدبرة !

 

ووجدنا انفسنا ونحن نقف أما اكوام الحطام والركام الذي يحيط بنا من كل صوب نقارن بين صمود بيروت أما الغزو الإسرائيلي , وصمود ستالنجراد في الحرب العالمية الثانية أمام ألمانيا النازية ولكن صمود المدينة العربية كان أعظم وأطول . ستالنجراد صمدت ستين يوما خرج فيها كل رجل وامرأه وطفل يحملون السلاح ويقاتلون جنود النازي من بيت إلى بيت  .. فقد كان الإتحاد السوفيتي وألمانيا النازية في حالة حرب معلنة ولكن صمود بيروت إستمر 78 يوما , ولم يكن عدد المقاتلين فيها يزيد على بضعة آلاف رجل وبأسلحة تقليدية محدودة إذا ماقونت بما يحمله العدو من أحدث ماتوصلت إليه مصانع الأسلحة الامريكية في مجال القتل والدمار , واكثر من هذا فقد كانت بعض انواع القنابل التي ألقتها الطائرات الإسرائيلية على بيروت تستخدم لأول مرة , وهي القنابل ((التفريغية ))* ... وهكذا كانت بيروت حقلا للتجارب ... لم يتركوا شيئا لم يقذفوه بقنابلهم وصواريخهم حتى المستشفيات التي تحمل الهلال والصليب .

 

كان كل شيء في بيروت يبكي إلا أهلها ... وإلا الأبطال الذين صمدوا وبنوا بأجسادهم هذا الجدار الحديدي الذي وقف الإسرائيليين أمامه عاجزين عن التقدم شبرا واحدا داخل المدينة المحاصرة . . المباني التي انهارت فوق سكانها فتحولت إلى قبور تحوي ألوف القتلى الذين دفنوا أحياء . كانت تبدو امامنا وكأن الدموع تسيل من فوق أطلالها . . الشوارع والطرقات والأزقة الضيقة التي دمرتها الصواريخ , ثم اكوام القمامة التي كانت تتراكم وترتفع وترتفع حتى صارت تلالا عالية من القاذورات والأوساخ والركام وقد عششت فيها الفئران والقطط في ألفة وكأنها تشعر بما هي فيه من خطر يهدد بقاءها .. في كل هذا رأينا الدموع .. في السهل والجبل وحتى عندما رفعنا ابصارنا نتطلع إلى السماء فوق رؤسنا كانت هي أيضا تبكي في أول يوم للقائنا بالمدينة الباسلة فقد هطلت الأمطار في الصيف في غير موسمها . . وكانها تريد ان تكفر عن خطيئة لا ذنب لها فيها عندما حُملت إليهم بالأمس الموت والخراب والدمار .

 

ومضينا في رحلتنا وعلى الطريق داخل الأراضي السورية وقبل ان نبلغ الحدود اللبنانية كان لقاؤنا الأول بموكب الابطال العائدين إلى وطنهم الثاني سوريا . .  أبطال المقاومة الفلسطينية الذين تحدثت صحافة العالم كله عن صمودهم وبطولتهم كانوا في سيارات النقل الكبيرة العسكرية . . الفوج الثالث الذي يصل بطريق البر إلى دمش . . بدوا عمالقة في ثيابهم العسكرية واسلحتهم المرفوعة وهم يردون تحية الألوف من ابناء سوريا وفلسطين الذين خرجوا لإستقبالهم على بعد عشرات الكيلومترات قبل الدخول إلى دمشق : كانوا يصطفون على جانبي الطريق . . الاطفال والنساء والرجال . . وابطأت السيارات في مسيرتها وقفز المستقبلون إليها , وكان العناق طويلا حارا تحت علمي فلسطين وسوريا وبين الايدي المرفوعة بعلامات النصر .

ولم يكونوا لوحدهم , كانت ترقبهم وتسجل لقاءاتهم عشرات الكاميرات وآلات التصوير السينمائي التي حملها الصحفيون الذين جاءوا من مختلف العواصم الغربية والشرقية ليسجلوا الحدث بالصورة والكلمة .. ولم تكن هزيمة كما أراد الإسرائيليون ان يصورها ... بل كانت نصرا ... إن المقاتلين الابطل لم يتركوا بيروت مهزومين وإنما تركوها  ليجنبوا اهلها مزيدا من الموت والدمار . خرجوا من بيروت شفقة ورحمة بها وبأطفالها ونسائها وشيوخها ولم تكن الصورة التي جاء بها الصحفيون والمصورون الأجانب والعرب لتسجيلها ...صورة نعش محمولة على الأكتاف كماأرادتها إسرائيل , ولكنها كانت صورة أبطال عجزت كل اسلحة الدمار التي أستخدمها العدو عن ان تعجزهم .

<<<<